سورة النجم · الآية ٣٢ من ٦٢

‹ السورة السابقة
ٱلَّذِینَ یَجۡتَنِبُونَ كَبَٰۤئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةࣱ فِی بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰۤ٣٢
الرسم الإملائيّ

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى

الجزء ٢٧الربع ٢١١ صفحة ٥٢٧

تفسيرها

[سورة النجم — آية 32]

}وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴿ خلقا وملكا، ﴾لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴿ بعقاب ما عملوا من السوء، أو بمثله؛ أو سبب ما عملوا من السوء، وهو علة لما دل عليه ما قبله؛ أي: خلق العالم وسواه للجزاء؛ أم ميز الضال من المهتدي، وحفظ أحوالهم، كذلك. ﴾وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)﴿ بالمثوبة الحسنى. ﴾الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴿ ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتب الوعيد عليه بخصوصه، ﴾وَالْفَوَاحِشَ﴿ وما فحش من الذنوب، ﴾إِلَّا اللَّمَمَ﴿ وهو ما صغر، فإنه مغفور عن مجتنبي الكبائر؛ وقيل: ما لم على القلب، أي: خطر، ﴾إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴿ حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ﴾هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴿ أعلم بأحوالكم منكم، ﴾إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴿ علم أحوالكم ومصارف أموركم، حين ابتدأ خلقكم مكن التراب بخلق آدم، وحينما صوركم في الأرحام، ﴾فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴿ فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل؛ والمعنى: لا تشهدوا لها بجنة على القطع، فإن ذلك من علم الغيب، ولم يأذن الله به، ﴾هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32){فإنه يعلم التقي وغيره منكم، قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨١٦

[سورة النجم — آية 32]

قوله : ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّّ اللَّمَمَ ﴾ .

ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين . قال عز وجل : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهُوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ [ النساء : 31 ] .

ذكروا عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الكبائر تسع : الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وعقوق الوالدين المسلمين ، وقذف المحصنات ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والسحر ، والفرار من الزحف ، واستحلال البيت الحرام ، قبلتكم التي توجهون إليها » .

ذكروا عن الحسن قال : كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر خاصة . قال بعضهم : ويحدثون أن الفرار من الزحف يوم ملحمة الروم الكبرى من الكبائر لأن المسلمين مجتمعون يومئذ كما كانوا يوم بدر .

ذكروا عن الحسن قال : ذكرت الكبائر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أين تجعلون اليمين الغموس؟ .

ذكروا عن عوف قال : مر بنا أبو العالية الرياحي فقال : اتقوا كبائر تسعاً ، إني إراها تسعاً وتسعاً وتسعاً ، حتى عدَّ أربعين أو أكثر .

غير واحد من العلماء المأخوذ عنهم ، والمقبول منهم قال : كل ما أوجب الله عليه الحد في الدنيا وأوعد عليه وعيداً في الآخرة فهو كبيرة . وقال : وكل ما عذب الله عليه عذاباً في الدنيا أو في الآخرة فليس بصغيرة .

ذكروا عن قيس بن سعد أن ابن عباس قال : كل ذنب تاب منه العبد فليس بكبيرة ، وكل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة .

وقال بعضهم : كان يقال : لا قليل مع الإصرار ، ولا كبير مع توبة واستغفار . والاستغفار مكنسة للذنوب . وقوله عز وجل : ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا الله ﴾ [ البقرة : 199 ] أي : لا تعودوا .

تأويل هذا الحديث : إذا كان ذنب فيما بين العبد وبين الله فالتوبة إلى الله والاستغفار يجزيانه باللسان . وإن كان ذنب فيما بينه وبين الناس من القتل وذهاب الأموال فلا يجزيه إلا القَوَد من نفسه والانتصال من أموال الناس إذا كان يقدر على ردّ أموالهم .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوماً : « ما تعدون الزنا والسرقة وشرب الخمر؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : كبائر وفواحش ، وفيهن العقوبة . ثم قال : أكبر الكبائر الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بحقها ، وعقوق الوالدين . وكان متكئاً فجلس ، ثم قال : ألا وقول الزور ، ألا وقول الزور ، ألا وإن لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة بقدر غدرته يركز عند مقعدته ، ألا ولا غدرة أكبر من غدرة أمير عامةً » .

ذكروا عن سعيد مولى ابن عباس ، أنه ذكرت عنده الخمر فقال : ليست من الكبائر .

فقال ابن عباس : بل هي أكبر الكبائر ، إنه إذا شرب زنى ، وفعل ، وفعل .

وقوله عز وجل : ( إِلاَّ اللَّمَمَ ) : ذكروا عن عكرمة قال : ما دون الحدين [ كل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولا عذاب في الأخرة فهو اللمم ] .

وقال الحسن : اللمم ما يُلِمّ به من الزنا والسرقة وشرب الخمر ، ثم لا يعود . تأويل حديث الحسن : أن يلمّ بشيء من هذا أن يفعله ولا يفعله ثم لا يعود أن يلم بها .

ذكروا عن أبي هريرة في اللمم أنه قال : العين تزني ، وزناها النظر واليد تزني وزناها اللمس ، والرجل تزني وزناها المشي ، والنفس تهوى وتحدث ، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج .

ذكروا عن أبي هريرة [ عن النبي صلى الله عليه وسلم ] قال : « كل بني آدم قد أصاب من الزنا لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر ، واليد تزني وزناها اللمس ، والرجل تزني وزناها المشي ، والنفس تهوى وتحدث ، ويصدق ذلك كله ويكذبه الفرج » .

ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر » .

قوله عز وجل : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ أي : يغفر ما دون الكبائر أي : يكفرها بالصلوات الخمس .

قال غير واحد من العلماء : إن ما دون الكبائر مكفر محطوط ، شرط من الله وثيق ، وهو قوله : ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهُوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ [ النساء : 31 ] . فإن اجتنبت الكبائر كانت هذه السيئات مُكَفِّرَة مغفورة ، محطوطة باجتناب الكبائر .

ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل الصلوات الخمس كمثل رجل على بابه نهر جار عذب ينغمس فيه كل يوم خمس مرات ، فماذا يبقى من درنه » وتفسير درنه إثمه .

قوله عز وجل : ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ ﴾ أي : خلقكم من الأرض ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ والأجنة من باب الجنين في بطن أمه . قال تعالى : ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ .

ذكروا عن الحسن عن أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يقولن أحد إني قمت رمضان كله . فالله أعلم أكان يخشى التزكية على أمته . أم يقول لا بد من رقاد وغفلة » .

ذكروا عن الأعمش عن بعض أصحابه أن رجلاً قال لأصحاب عبد الله بن مسعود : لقد قرأت البارحة كذا وكذا سورة . فذكروا ذلك لعبد الله بن مسعود فقال : أخبروه أن حظه من ذلك الذي تكلم به .

وذكروا عن بعضهم قال : كانت اليهود تقدم أولادها فيصلون بهم ، وقالوا ليست لهم ذنوب ، فأنزل الله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ﴾ [ النساء : 49 ] .

وذكر بعضهم عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول لأولادها [ إذا هلك صبيّ صغير : هذا ] صديق . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد » فأنزل الله عند ذلك هذه الآية : ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ .

وتفسير الكلبي : ألا يزكي بعضكم بعضاً . قال بعض العلماء : فإذا زكى نفسه زكى أشد .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨١٦

[سورة النجم — آية 32]

﴿ الَّذينَ ﴾ نعت للذين قبله ، لقيامه مقام ما ينعت أو بدله ﴿ يجْتَنبُون ﴾ المضارع للتجدد لا يزالون يجتنبونه ﴿ كبائر ﴾ كمطلق الزنى ﴿ الإثْم ﴾ اضافة خاص لعام هو الاثم ﴿ والفَواحشَ ﴾ عطف خاص على عام ، هو كبائر لأن الفاحشة ما اشتد قبحه من الكبائر كالزنى بحليلة الجار ، أو بحليلة الساكن معه فى الدار ، أو بالحرمة ، أو بحائض أو نفساء ، وقيل : الفواحش والكبائر مترادفان ، وذكرا معا نظراً الى تغاير مفهوميهما ، فمفهوم الفحش القبح ، ومفهوم الكبيرة استعظام الذنب ، وكل فاحشة كبيرة ، وكل كبيرة فاحشة .

﴿ إلا اللَّمَم ﴾ الذنب الصغير ، والاسثناء منقطع لأن لفظ الكبائر الفواحش لا يشمله ، وعند سيبويه أن اللو ما بعده نعت لكبائر والفواحش ، ولم يشترط كما اشترط ابن الحجاب لذلك أن يكون المنعوت جمعا منكرا غير محصور ، قلنا : لا داعى الى النعت فى الآية ، وأصله ما قل من الشىء ، كما يقال : لمة اشعر لأنها دون الوفرة ، إلا أنه كل ما ظنه صغيرة ، لا ندرى لعله كبيرة أخفاها لئلا يجترأ عليها ، لأنها تغفر باجتناب الكبائر وبالوضوء ، وبالصلاة ، وبرمضان ، وبالجملة ، وظاهر القرآن والأحاديث والخبار ما ذكر ، لا كما قيل : كل ذنب كبير وان الصغر ، والكبر بالنسبة ، ولنا أن نقول مع ذلك إجلالا له تعالى : ليس فيما يعصى الله به صغير ، وذكر بعض : أن الصغائر تعرف ، وعن أبى سعيد الخدرى : أنها مثل النظرة والغمزة والقبلة ، قلت : هى كبائر ألا ترى أنهن ينقضن الوضوء والصوم ، وأنه يكحل عين الناظر بالنار .

وفى البخارى ومسلم ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم : « أن الله تعالى كتب عن ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر ، وزنى اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهى ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » فسمى كل ذلك زنى ، إلا أن زنى أكبر من زنى ، والأكبر يكون بالفرج ، وفى مسلم كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى ، مدرك ذلك لا محالة ، العينان زناهما البطش ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه .

وعن بعض أنها الهمُّ بالذنب بلا فعل له ، وقد قيل : انه يكتب عليه الاهتمام اذا اشتد ، ولا يكتب أنه فعل ، ولا يكتب عليه إذا خطر فى قلبه ولم يدم عليه ، وعن ابن عباس : كل ما نهى الله عنه أو عصى به ، فهو كبير ، ومعناه اعتبار عظمة الله سبحانه لا نفى الصغيرة ، وأخطأ من قال : اللمس المفاخذة صغيرتان ، لأنهما زنى ، وغير حفظ للفرج وللعورة ، فكيف يكونان صغيرتين ، وليست الكبائر محصورة فى القرآن ولا فى السنة ولا فى الاجماع ، بل تعرف بالذوق الصحيح ، وكم كبيرة لا توجب الحد ، ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد ، وكيف يحصر ما لا مطمع فى ضبطه .

قال ابن عباس لمن قال : سبع هن الى سبعمائة : أقرب منها الى سبع ، لكن لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الاصرار ، ولا يقال : الكبيرة كل ذنب يؤذن بقلة الاكتراث بالدين ، فكم صغيرة حسة تؤذن بها ، وقيل : الهمّ فى الآية ما فعله فى الجاهلية من إشراك وما دونه ، فالاستثناء متصل وليس كذلك .

﴿ إنَّ ربَّك واسعٌ المغفِرة ﴾ إذ كان يغفر الصغائر لمن لم يصر ، ويغفر الكبائر لمن لم يصر ، فلا ييأس الذين أساءوا أو من فعل كبيرة ولم يعتقد أن يعود اليها ، ولا أن لا يتوب منها ، وقد كان يستغفر فى الجملة كفاه ذلك فى قول ، وتغفر أيضا بالمصائب فى قول ، وقيل : تغفر بأداء الفرائض ، ولا بد من أداء المخلوق فيها ، ولو مما يلزم للفقراء ، كالكفارة ، وعن عمر وابن عباس : لا كبيرة فى الاسلام ، أى يتوب المسلم فيغفر له ، بخلاف المشرك فلا تنجيه توبته من الذنوب ما دام مشركا .

﴿ هو أعْلم بكُم ﴾ بأحْوالكم ، وأعلم خارج عن التفضيل بمعنى عالم ، لأن غيره تعالى لا علم له وقت انشاء الخلق من الأرض ، ولا بأحوالهم وقت كونهم فى البطون ، وقد قال الله تعالى : ﴿ إذ أنْشأكُم مِن الأرض وإذا أنتُم أجنَّةٌ فى بطُونِ أمَّهاتكم ﴾ وقد يقال : ان المتبادر أن المراد أن الناس لا يعلمون ، وليس المراد أنى أعم من الملائكة ، وعلى كل حال ليس الحصر مراد ، فانه كما هو علام وقت الانشاء ووقت الكون فى البطون ، عالم فى فى غير ذلك ، وعلمه واحد ، ولا إشكل البتة اذا جعلنا إذ مفعولا به لا ذكر ، لكنه وجه ضعيف فى الآية ، ومعنى الانشاء من الأرض إذ تولدت مما هو من الأرض أو يقدر مضاف ، أى أنشأ أباكم ، وأنشأكم من نطفة تولدت من الأرض وأجنة جمع جنين ، والمراد الاخبار بأنه أعلم بما فى ظلمة البطن ، وظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم ، والتلويح الى قدرته على خلق الأطوار والعلم بها ، فكيف يخفى عيه كبائركم وفواحشكم ولممكم ، وأعظم من ذلك علمه بما فى القلب من التكييفات .

﴿ فَلا تُزكُّوا أنْفَسكُم ﴾ اذا كان الأمر كذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من الذنوب ، بزكاة للعمل ، وزيادة الخير ، واشكروه على فضله ومغفرته تعالى ، أو المعنى لا يزك بعضكم بعضا ، أو كل ذلك ، والنهى فيما هو رياء أو اعجاب أو غرض دنيوى ، أو على سبيل القطع والأمن من مكر الله ، وقيل : نزل قوله تعالى : ﴿ هو أعلم بكم ﴾ الى ﴿ اتقى ﴾ فى قول اليهود فى الصبى اذا مات ان صدق لله ، وقد مرّ هذا مع كلام فيه ، وجازت التسمية بالاسم الحسن ، كالحسن والحسين وسعيد ، وكان لعمر بنت اسمها عاصية ، فسماها صلى الله عليه وسلم جميلة ، وغيَّر صلى الله عليه وسلم برة بنت أبى سلمة ، وبرة بنت جحش الى زينب ، وقرأ : ﴿ فلا تزكوا ﴾ الخ ، وذلك كرامة لا تحريماً ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « لئن عشت لأنهين عن التسمية بنافع وأفلح » أى نهى تحريم .

﴿ هُو أعْلمُ ﴾ من غيره ﴿ بمَنِ اتَّقى ﴾ حذر الاشراك وما دونه من المعاصى ، وقيل اتقى شيئا من المعاصى فانه عز وجل يثيبه على اتقائه ، وقيل : نزلت فى المؤمنين قائلين صلاتنا وصومنا وجنا نهاهم أن يعجبوا أو أن يراءوا إما فرحا بالطاعة ، أو دعاء اليها ، فجائز ، وقد صح أن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨١٦