سورة النجم
الجزء النجم · صفحة ٠﴿ الَّذينَ ﴾ نعت للذين قبله ، لقيامه مقام ما ينعت أو بدله ﴿ يجْتَنبُون ﴾ المضارع للتجدد لا يزالون يجتنبونه ﴿ كبائر ﴾ كمطلق الزنى ﴿ الإثْم ﴾ اضافة خاص لعام هو الاثم ﴿ والفَواحشَ ﴾ عطف خاص على عام ، هو كبائر لأن الفاحشة ما اشتد قبحه من الكبائر كالزنى بحليلة الجار ، أو بحليلة الساكن معه فى الدار ، أو بالحرمة ، أو بحائض أو نفساء ، وقيل : الفواحش والكبائر مترادفان ، وذكرا معا نظراً الى تغاير مفهوميهما ، فمفهوم الفحش القبح ، ومفهوم الكبيرة استعظام الذنب ، وكل فاحشة كبيرة ، وكل كبيرة فاحشة .
﴿ إلا اللَّمَم ﴾ الذنب الصغير ، والاسثناء منقطع لأن لفظ الكبائر الفواحش لا يشمله ، وعند سيبويه أن اللو ما بعده نعت لكبائر والفواحش ، ولم يشترط كما اشترط ابن الحجاب لذلك أن يكون المنعوت جمعا منكرا غير محصور ، قلنا : لا داعى الى النعت فى الآية ، وأصله ما قل من الشىء ، كما يقال : لمة اشعر لأنها دون الوفرة ، إلا أنه كل ما ظنه صغيرة ، لا ندرى لعله كبيرة أخفاها لئلا يجترأ عليها ، لأنها تغفر باجتناب الكبائر وبالوضوء ، وبالصلاة ، وبرمضان ، وبالجملة ، وظاهر القرآن والأحاديث والخبار ما ذكر ، لا كما قيل : كل ذنب كبير وان الصغر ، والكبر بالنسبة ، ولنا أن نقول مع ذلك إجلالا له تعالى : ليس فيما يعصى الله به صغير ، وذكر بعض : أن الصغائر تعرف ، وعن أبى سعيد الخدرى : أنها مثل النظرة والغمزة والقبلة ، قلت : هى كبائر ألا ترى أنهن ينقضن الوضوء والصوم ، وأنه يكحل عين الناظر بالنار .
وفى البخارى ومسلم ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم : « أن الله تعالى كتب عن ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر ، وزنى اللسان النطق ، والنفس تتمنى وتشتهى ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » فسمى كل ذلك زنى ، إلا أن زنى أكبر من زنى ، والأكبر يكون بالفرج ، وفى مسلم كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى ، مدرك ذلك لا محالة ، العينان زناهما البطش ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطا ، والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه .
وعن بعض أنها الهمُّ بالذنب بلا فعل له ، وقد قيل : انه يكتب عليه الاهتمام اذا اشتد ، ولا يكتب أنه فعل ، ولا يكتب عليه إذا خطر فى قلبه ولم يدم عليه ، وعن ابن عباس : كل ما نهى الله عنه أو عصى به ، فهو كبير ، ومعناه اعتبار عظمة الله سبحانه لا نفى الصغيرة ، وأخطأ من قال : اللمس المفاخذة صغيرتان ، لأنهما زنى ، وغير حفظ للفرج وللعورة ، فكيف يكونان صغيرتين ، وليست الكبائر محصورة فى القرآن ولا فى السنة ولا فى الاجماع ، بل تعرف بالذوق الصحيح ، وكم كبيرة لا توجب الحد ، ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد ، وكيف يحصر ما لا مطمع فى ضبطه .
قال ابن عباس لمن قال : سبع هن الى سبعمائة : أقرب منها الى سبع ، لكن لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الاصرار ، ولا يقال : الكبيرة كل ذنب يؤذن بقلة الاكتراث بالدين ، فكم صغيرة حسة تؤذن بها ، وقيل : الهمّ فى الآية ما فعله فى الجاهلية من إشراك وما دونه ، فالاستثناء متصل وليس كذلك .
﴿ إنَّ ربَّك واسعٌ المغفِرة ﴾ إذ كان يغفر الصغائر لمن لم يصر ، ويغفر الكبائر لمن لم يصر ، فلا ييأس الذين أساءوا أو من فعل كبيرة ولم يعتقد أن يعود اليها ، ولا أن لا يتوب منها ، وقد كان يستغفر فى الجملة كفاه ذلك فى قول ، وتغفر أيضا بالمصائب فى قول ، وقيل : تغفر بأداء الفرائض ، ولا بد من أداء المخلوق فيها ، ولو مما يلزم للفقراء ، كالكفارة ، وعن عمر وابن عباس : لا كبيرة فى الاسلام ، أى يتوب المسلم فيغفر له ، بخلاف المشرك فلا تنجيه توبته من الذنوب ما دام مشركا .
﴿ هو أعْلم بكُم ﴾ بأحْوالكم ، وأعلم خارج عن التفضيل بمعنى عالم ، لأن غيره تعالى لا علم له وقت انشاء الخلق من الأرض ، ولا بأحوالهم وقت كونهم فى البطون ، وقد قال الله تعالى : ﴿ إذ أنْشأكُم مِن الأرض وإذا أنتُم أجنَّةٌ فى بطُونِ أمَّهاتكم ﴾ وقد يقال : ان المتبادر أن المراد أن الناس لا يعلمون ، وليس المراد أنى أعم من الملائكة ، وعلى كل حال ليس الحصر مراد ، فانه كما هو علام وقت الانشاء ووقت الكون فى البطون ، عالم فى فى غير ذلك ، وعلمه واحد ، ولا إشكل البتة اذا جعلنا إذ مفعولا به لا ذكر ، لكنه وجه ضعيف فى الآية ، ومعنى الانشاء من الأرض إذ تولدت مما هو من الأرض أو يقدر مضاف ، أى أنشأ أباكم ، وأنشأكم من نطفة تولدت من الأرض وأجنة جمع جنين ، والمراد الاخبار بأنه أعلم بما فى ظلمة البطن ، وظلمة المشيمة ، وظلمة الرحم ، والتلويح الى قدرته على خلق الأطوار والعلم بها ، فكيف يخفى عيه كبائركم وفواحشكم ولممكم ، وأعظم من ذلك علمه بما فى القلب من التكييفات .
﴿ فَلا تُزكُّوا أنْفَسكُم ﴾ اذا كان الأمر كذلك فلا تثنوا على أنفسكم بالطهارة من الذنوب ، بزكاة للعمل ، وزيادة الخير ، واشكروه على فضله ومغفرته تعالى ، أو المعنى لا يزك بعضكم بعضا ، أو كل ذلك ، والنهى فيما هو رياء أو اعجاب أو غرض دنيوى ، أو على سبيل القطع والأمن من مكر الله ، وقيل : نزل قوله تعالى : ﴿ هو أعلم بكم ﴾ الى ﴿ اتقى ﴾ فى قول اليهود فى الصبى اذا مات ان صدق لله ، وقد مرّ هذا مع كلام فيه ، وجازت التسمية بالاسم الحسن ، كالحسن والحسين وسعيد ، وكان لعمر بنت اسمها عاصية ، فسماها صلى الله عليه وسلم جميلة ، وغيَّر صلى الله عليه وسلم برة بنت أبى سلمة ، وبرة بنت جحش الى زينب ، وقرأ : ﴿ فلا تزكوا ﴾ الخ ، وذلك كرامة لا تحريماً ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « لئن عشت لأنهين عن التسمية بنافع وأفلح » أى نهى تحريم .
﴿ هُو أعْلمُ ﴾ من غيره ﴿ بمَنِ اتَّقى ﴾ حذر الاشراك وما دونه من المعاصى ، وقيل اتقى شيئا من المعاصى فانه عز وجل يثيبه على اتقائه ، وقيل : نزلت فى المؤمنين قائلين صلاتنا وصومنا وجنا نهاهم أن يعجبوا أو أن يراءوا إما فرحا بالطاعة ، أو دعاء اليها ، فجائز ، وقد صح أن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكر .