وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا شَیَٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورࣰاۚ وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا یَفۡتَرُونَ١١٢
الرسم الإملائيّ
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ
الجزء ٨الربع ٥٧ صفحة ١٤٢
تفسيرها
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ كما جعلنا لك أعداء سببا لظهور الثبات والصبر ، وكثرة الثواب والأجر ، فلا تضجر من معاداتهم ، فليس بثابت [ كذا ] ذلك ولن يقدروا على مضرة لأحد مع توفيق الله له . ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ﴾ ظاهرين وباطنين ، ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس ، وكذلك بعض الجن إلى بعض ، وبعض الإنس إلى بعض ، وقال : (( قرناء السوء شرٌّ من شياطين الجن )) ، ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ﴾ الأباطيل المموهة ، من "زخرفة" إذا زينَّة ، من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي ، ويدخل في ذلك قول مشحون بنفاق ؛ فظاهره كأنه نصيحة ، وباطنه خُدعة ؛ وهو قول مموه ؛ مُزيّن مُزخرف بالباطل لا معنى تحته . ﴿ غُرُوراً ﴾ خدعا وأخذا على غرة ، وهو غفلة ، يعني : هؤلاء الشياطين يزيِّنون الأعمال القبيحة لنبي آدم يغرونهم ؛ والغرور : القول الباطل . ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ أي : الإيحاء ، بمعنى : ولو شاء الله لمنع الشياطين من الوسوسة ؛ ولكنه امتحن بما يعلم أنه أجزل في الثواب ، ويتضاعف على الشياطين العذاب ، ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ عليك وعلى الله من قول ووسوسة ، فإن الله يجزيهم وينصرك .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٠١
قوله : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِْنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ قال مجاهد : تزيين الباطل بالألسنة . وقال الحسن : جعل الله أعداء الأنبياء شياطين الإِنس والجن ، وهم المشركون : ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً ﴾ وهو ما توحي الشياطين إلى بني آدم وتوسوس إليهم مما يغرونهم به .
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ أي لو شاء الله ما أوحى الشياطين إلى الأنس . ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ ثم أوحى بقتالهم بعد . قال بعضهم : كل شيء في القرآن : ذر ، وذرهم فهو منسوخ نسخه القتال .
قال الكلبي : بلغنا أن إبليس بعث جنوده فريقين ، فبعث فريقاً إلى الإِنس وفريقاً إلى الجن ، فإذا التقوا أعلم هؤلاء هؤلاء ، وأعلم هؤلاء هؤلاء ما يقولون؛ فذلك قوله : ﴿ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً ﴾ ، وكل ذلك عداوة من إبليس وجنوده لأنبياء الله وأتباعهم .
ذكروا أن أبا ذر قام إلى الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أبا ذر ، تعوَّذ بالله من شياطين الإِنس والجن » ؛ فقال : يا رسول الله أوللإِنس شياطين كشياطين الجن؟ فقال : « نعم » .
ذكر بعضهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : توشك الشياطين أن تجالس الناس في مجالسهم وتفتنهم في الدين .
ذكروا عن عبد الله بن عمر أنه قال : إن شياطين أوثقها سليمان بن داود فألقاها من وراء البحر توشك أن تظهر حتى تقرىء الناس القرآن .
ذكروا أن أبا موسى الأشعري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن إبليس اتخذ عريشاً على البحر ، فإذا أصبح ندب جنوده فقال : أيّكم فتن اليوم مسلماً ألبسه التاج . قال : فيجيء أحدهم فيقول : لم أزل اليوم برجل حتى سبَّ آخر ، فيقول : سوف يصطلحان . ثم يجيء آخر فيقول : لم أزل اليوم برجل حتى عقّ والديه . فيقول : سوف يبرّهما . ثم يجيء آخر فيقول : لم أزل اليوم برجل حتى زنى . فيقول : أنت . ثم يجيء آخر فيقول : لم أزل اليوم برجل حتى سرق . فيقول : أنت . ثم يجيء آخر فيقول : لم أزل اليوم برجل حتى شرب الخمر . فيقول : أنت . قال بعضهم : فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة . قال بعضهم : بلغنا أن جهنم موضع البحر » .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٠١
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ مثل جَعْلنَا هؤلاء المشركين أَعداءَك يا محمد ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ ﴾ قبلك مفعول ثان ﴿ عَدُوًّا ﴾ مفعول أَول ، وهو جماعة كما يستعمل للمفرد ، أَلا ترى إِلى قوله ﴿ بعضهم ﴾ وقوله ﴿ ما فعلوه ﴾ وقوله ﴿ شياطين ﴾ بالجمع ، قال :
إِذا أَنا لم أَنفع صديقى بوده … فإِن عدوى لم يضرهم بغضى
﴿ شَيَاطين الإِنسِ وَالْجِنِّ ﴾ بدل من عدوا ، أَو هو الأَول وعدوا ثان ، والكل متعلق بجعلنا ، أَو حال من عدوا ، والشيطان المفسد العاتى من الإِنس أَو من الجن ، فلكل نبى شياطين من الإِنس وشياطين من الجن ، وشيطان الإِنس أَعظم من سبعين شيطاناً من الجن ، وشيطان الجن إِذا أَعياه المؤمن استعان عليه بشيطان الإِنس فيفتنه ، قال مالك ابن دينار : شيطان الإِنس أَعظم على من شيطان الجن ، إِن تعوذت بالله أَو ذكرت الله ذهب ، وشيطان الإِنس يجرنى إِلى المعاصى عيانا ، والجن كلهم من أَولاد إِبليس ، إِلا أنه يرسل طائفة إِلى الإِنس ليغووهم ولذا أضيفوا إِليهم فقيل شياطين الإِنس ، وطائفة إِلى الجن كذلك ، وعن ابن عباس : الجن هم الجان وليسوا شياطين ، والشياطين ولد إِبليس ولا يموتون إِلا معه ، والجن يموتون ، ومنهم مؤمن ومنهم كافر ، وذلك كما قيل الإِضافة بمعنى اللام ، وقيل للبيان ، وقيل إِضافة صفة لموصوف ، أَى الإِنس والجن والشياطين ، والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أَصاب مَنْ قبله من الأَنبياء فيصبر كما صبروا ، ويقال : المصيبة إِذا عمت هانت ، وحجة فى أَن الله خلق الكفر وشاءَه كما خلق الخير وشاءَه ، وفيها رد على المعتزلة سواء قلنا جعلنا صيرنا أَو خلقنا أَو أَثبتناه وعلى الوجهين لجعلنا مفعول واحد هو عدوا ، وإِعراب الباقى كما مر ، وزعمت المعتزلة تخلصا من أَنه تعالى خلق المعاصى أَن المعنى : كما خلينا بينك وبين أَعدائك خلينا بين الأَنبياء قبلك وأَعداءَهم ، ولم يمنعهم ليحصل الثواب والعقاب ، أَو أَن الجعل بمعنى طريق التسبب حيث أَرسلنا الأَنبياءَ فحسدهم الكفرة ، أَو أَن المراد : كما أَمرناك بعداوة قومك من المشركين أَمرنا من قبلك بعداوة المشركين ، أَو كما أَخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بها أَخبرنا الأَنبياءَ قبلك وحكمنا ، وذلك باطل وخلاف ظاهر الآية وتكلف بلا داع إِليه سوى التعصب لمذهبهم الباطل ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ حال من شياطين ، أَو مستأْنف أَو نعت لعدو يرسل فى الإِخفاء أَحد النوعين إِلى الآخر ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ ﴾ ملبسه من الباطل يسر شيطان الجن إِلى شيطان الجن قولا فى إِغواءِ المؤمنين وفى زيادة إِغواءِ غير المؤمن ، يقول شيطان من الجن لآخر منهم : أَغويت صاحبى بكذا فأَغوه أَنت به ، وكذا يقول له الآخر ، وإِما على أَن الشيطان بعض من الإِنس وبعض من الجن ، فالذى من الجن يوسوس الذى من الإِنس ، فذلك بعض إِلى بعض ، ولو لم يتم من الجانبين ، وقد يطلق الزخرف على المزين الذى هو الحق ، والمراد الأَول لقوله ﴿ غُرُوراً ﴾ أَى لأَجل الغرور ، أَو غارًّا ، أَو ذا غرور ، أَو يغرون غرورا ﴿ وَلَو شَاءَ رَبُّكَ ﴾ أَن لا يفعلوا فيكونوا مؤمنين ، ومفعول المشيئة هو مضمون الجزاء على القاعدة كما رأَيته ، وقد بعضهم ولو شاءَ ربك إِيمانهم ، وهو تفسير معنى ، أَو تفسير صناعة بأَن اعتبر ما علق به فعل المشيئة سابقا قبل هذا وقال لو شاءَ ربك ، وفيما يأْتى لو شاءَ الله لأَن ما هنا بعد ذكر العداوة فناسب أَن يذكره بعنوان الأُلوهية المنافية للشرك ﴿ مَا فَعَلُوهُ ﴾ أَى ما فعلوا الغرور فى حقه صلى الله عليه وسلم وفى حق إِخوانه من الأَنبياء عليهم السلام ، وفى هذا أَيضا رد على المعتزلة ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ اترمهم مع ما يفترونه ، أَو مع افترانهم ، أَو اتركهم واترك افتراءَهم أَو ما يفترونه من الكفر وما دونه من المعاصى مما زين لهم ، أَى ما عليك إِثمهم ، فقد بلغت وليس حسابهم أَو توبتهم عليك ، وهذا مما يقوله الله له ولو بعد نزول القتال ولا نسخ لهذا بآية القتال كما زعم بعض .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٠١