قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَاۤءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةࣰ قَالُوا۟ یَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِیهَا وَهُمۡ یَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَاۤءَ مَا یَزِرُونَ٣١
الرسم الإملائيّ
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
الجزء ٧الربع ٥٢ صفحة ١٣١
تفسيرها
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ ﴾ إذ فاتهم النعيم ، واستوجبوا العذاب المقيم ، ولقاء الله البعث وما يتبعه ، ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ ﴾ أي : القيامة ، لأن مدة تأخرها مع تأبد ما بعدها كساعة ، أو جاءهم الموت في تلك الساعة ﴿ بَغْتَةً ﴾ قيل : بغتتهم الساعة بغتة ، وهو : ورود الشيء على صاحبه من غير علمه بوقته ﴿ قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا ﴾ معناه : يا حسرة احضري فهذا أوانك ، ﴿ عَلَى مَا فَرَّطْنَا ﴾ قصرنا ، ﴿ فِيهَا ﴾ في الساعة : قصرنا في شأنها ، وفي الإيمان بها ، ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ ﴾ آتاهم ، ﴿ عَلَى ظُهُورِهِمْ ﴾ خص الظهر ، لأن المعروف حمل الأثقال عليه ، كما عرف الكسب بالأيدي ، وهو مجاز عن اللزوم على وجه لا يفارقهم ؛ وقيل : إن الكافر إذا خرج من قبره ، استقبله أقبح شيء صورة ، وأخبثه ريحا ، فيقول : (( أنا عملك السيىء ، فطال ما ركبتني في الدنيا ، وأنا أركبك اليوم )) ، ﴿ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ ﴾ لبئس شيء يحملونه ، وأفاد (( ألا )) تعظيم ما يذكر بعده ، وقيل : أي : لبئس الحمل ما حملوا .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٢٠
قوله : ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الله ﴾ يعني الذين تقوم عليهم الساعة الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا ﴾ والتحسّر التندّم ﴿ عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ أي في الساعة إذ لم يؤمنوا بها . والتفريط هو التضييع . فآمنوا حيث لا ينفعهم الإِيمان . قال : ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أي بئس ما يحملون ، وهي ذنوبهم .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الكافر إذا خرج من قبره مثل له عمله في أقبح صورة رآها قط ، أقبحه وجهاً وأنتنه ريحاً وأسوده لوناً ، فيقول : من أنت ، أعوذ بالله منك ، فما رأيت أقبح منك وجهاً ولا أنتن منك ريحاً ولا أسود منك لوناً . فيقول : أتعجب من قبحي؟ فيقول نعم . فيقول : أنا والله عملك الخبيث . إن عملك كان والله خبيثاً . إنك كنت تركبني في الدنيا! وإني والله لأَركَبَنَّك اليوم فيركبه ، فلا يرى شيئاً يَهُوله ولا يَرُوعه إلا قال : أبشر يا عدو الله ، أنت والله الذي يُراد ، وأنت الذي يُعنى ، وهو قوله : ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ » .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٢٠
﴿ قَدْ خَسِرَ ﴾ منازل فى الجنة وأَزواجاً والأَنفس بمنازل فى النار ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ ﴾ بالبعث والجزاء على أَن لقاء الله استعارة تمثيلية عن البعث وما بعده ، وقدر بعض مضافاً أَى بلقاء جزاء الله ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ ﴾ القيامة لأَن الموت مبدؤها وباب لها ، قال صلى الله عليه وسلم : « من مات فقد قامت قيامته » وحتى غاية التكذيب ولو كانت ابتدائية كما مر بيانه ، ولا يخفى أَن التكذيب ينقطع بالموت فليسوا باقين فى التكذيب حتى يبعثوا ، أَو غاية للخسران ، أَى خسر المكذبون إِلى قيام الساعة بأَنواع البلاء ، وإِذا قامت وقعوا فيما ينسيهم هذا الخسران ، والساعة قطعة من الزمان وغلبت على الوقت المعلوم كالنجم للثريا ، وسمى ساعة لقلته بالنسبة إِلى الخلود ، أَو لسرعة الحساب فيه ، وفسره بعض بوقت الموت هنا ﴿ بَغْتَةً ﴾ حال ، أَى فى نفس البغتة مبالغة ، أَو ذات بغتة أَو باغتى ، أَو مبغوتين بها ، أَو جاءَت بمعنى بغتت كقمت وقوفاً ، أَو باغتة بغتة ، أَو نبغتهم بغتة ، ، والبغتة المفاجأَة من غير استعداد ولا جعله ببال ، ولو جعل ببال لم يعد بغتة ولو لم يستعد له ، وفى التعبير عن القيامة بالساعة تلويح إِلى سرعة الحساب ، وإِيذان بأَنها شهرت حتى لا ينصرف عنها لفظ الساعة علماً بالغلبة فكيف يغفل عن الاستعداد لها ، ﴿ قَالُوا ﴾ جواب إِذا ، ومن زعم أَن حتى جارة قال استئناف ﴿ يَا حَسْرَتَنَا ﴾ ندمنا وتلهفنا احضر فهذا وقتك ، والمراد شدة التحسر ، وتصريحهم بإهمال أَنفسهم عن الحق حتى نادوا للحسرة والحسرة لا تسمع وتقبل ، وقد قيل كأَنهم ذهلوا حتى نادوها ، ويقال : هذا التحسر وإِن كان عند الموت لكن الموت من مقدمات الآخرة ، فجعل من جنس الساعة وسمى باسمها ، أَو جعل مجيءَ الساعة بعد الموت كالواقع باتصال ﴿ عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ ما مصدرية ، أَى على تفريطنا فى الدنيا ، وإِن لم يجر لها ذكر لعلمها من المقام ، وتقدر فى أخرى ومجرورها ، أَى فى الإِيمان والعمل الصالح ، لجواز تعليق اسم الزمان ومجرور فى بعامل واحد ولو بلا تبعية ، والدنيا زمان فكما يجو أَقمت زمانا فى مكان كذا أَو فى عمل كا يجوز أَقمت فى زمان فى مكان أَو فى عمل ، ويجوز عود الضمير إِلى الأَعمال لعلمها من المقام فلا تقدر فى أخرى ، أَى فى الدنيا ، أَو تقدر وتعلق فى الأَعمال ، كما قيل بعودة إِلى ما على أَن ما اسم واقع على الأَعمال ، أَى على الأَ‘مال التى قصرنا فيها ، وقيل بعود الضمير إِلى الساعة ، أَى فرطنا فى مراعاة حق القيامة ، وقيل إِلى الجنة أَى فرطنا فى طلبها ، وقيل إِلى الصفة لدلالة الخسران عليها ، وهو أَقوال بعيدة ، ويقولون يا حسرتنا على ما فرطنا فيها حال حملهم الوزر كما بينه بواو الحال فى قوله روَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ } ذنوبهم ﴿ عَلَى ظُهُورِهِمْ ﴾ سمى الذنوب أَوزاراً لثقلها ثقلا معنويا وهو شدة العذاب عليها أَو حسياً كما هو معنوى أَيضاً ، كما روى أَن المؤمن إِذا خرج من قبره استقبله أَحسن شئ صورة وأَطيبه ريحاً ، فيقولك هل تعرفنى؟ فيقول : لا ، فيقول : أَنا عملك الصالح فاركبنى فقد طال ما ركبتك فى الدنيا ، فذلك قوله تعالى
﴿ يوم نحشر المتقين إِلى الرحمن وفداً ﴾ يعنى ركباناً ، وأَما الكافر فستقبله أَقبح شئ صورة وأَنتنه ريحاً ، فيقول : هل تعرفنى؟ فيقول : لا ، فيقول : أَنا عملك الخبيث ، طال ما ركبتيى فى الدنيا ، فإِنا اليوم أَركبك ، فذلك قوله تعالى : ﴿ وهم يحملون أَوزارهم على ظهروهم ﴾ ، وقيل يدخل معه قبره فى أَقبح وجه وأَسوئه ، وأَنتن ريح وأَدنس ثوب ، ويقول : من أَ ، ت؟ ما أَقبحك فيقول : أَنا عملك فى الدنيا ، وإِذا خرج وجده أَضاً ، ويركبه حتى يدخله النار ، والصحيح أَن الأَعمال لا تجسم ، فيحمل الحديث والقرآن على التمثيل ، وخص الظهر لأَنه يطيق من الحمل ملا يطيقه غيره من الجسد ، وهو الأَصل فى الحمل ، كما أَن الكسب فى الأَكثر بالأَيدى وهى الأَصل فيه ﴿ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ أَى ما يذنبون ، أَى ما يسكبونه من الذنوب ، أَو يحملونه ، والمخصوص بالندم محذوف ، أَى حملهم ذلك ، أَو ذنوبهم تلك ، وساءَ من باب نعم وبئس فحول من الفتح إِلى الضم واللزوم ، أَو مستعمل فى التعجب كذلك ، أَو باق على الفتح والتعدية ، أَى ساءهم ، وما موصول اسمى ، أَو كرة موصوفة أَو مصدرية ، ولا حمل فى الآية ، بل تمثيل لاستحقاقهم العقاب ، لأَن الذنوب أَعراض لا أَجسام .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٢٠