فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ٤٥
الرسم الإملائيّ
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
الجزء ٧الربع ٥٣ صفحة ١٣٣
تفسيرها
﴿ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ أي : تضرَّعوا بالتوبة ! ، ومعناه : نفي التضرُّع ، كأنه قيل : فلم يتضرَّعوا إذ جاءهم بأسنا ، ولكنه جاء بـ (( لولا )) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرُّع ؛ ﴿ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فكان سبب منع التضرُّع إليه قسوة قلوبهم ، ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فصاروا معجبين بأعمالهم ، أو زيَّن لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا .
﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ من البأساء والضراء ، أي : تركوا الاتعاظ به ، ولم يزجرهم ؛ ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الصحة والسعة وصنوف النعم ؛ وهذا فتح استدراج ومكر ، أي : (لعله) بدلنا مكان البلاء والشدة ، الرخاء والصحة . ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ ﴾ من الخير والنعم فرحا، بمعنى الركون إليه ، والاعتماد عليه والثقة به ، والطمأنينة بوجوده ، دون وعد الله ؛ ﴿ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾ أخذ تعذيب فجاءة ، أمن ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا لهم [ كذا ] ، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ آيسون من كل خير متحيرون ، وأصله الإطراق حُزنا لما أصابه ، ندما على ما فاته ، قال أبو عبيدة : (( المُبلس : النادم الحزين ، وأصل الإبلاس : الإطراق من الحزن والندم )) ؛ وروي عن رسول الله : (( إذا رأيت يعطي لأحد ما يحب ، وهو مقيم على معصية ، فإنما ذلك استدراج )) ، ثم تلا : ( فلما نسوا ما ذكِّروا به .. ) الآية )) ؛ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ هُلكوا عن آخرهم ، ولم يُترك منهم أحد ، ﴿ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ إيذان لوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة ، وأنه من أجل النعم ، وأجزل القسم ؛ ثم دلَّ على قدرته ، وتوحيده بقوله :
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ﴾ بأن أصمَّكم وأعماكم ، فلم تسمعوا ، ولم تُبصروا عواقب ما يضرُّكم ولا ينفعكم ، ﴿ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم ﴾ فشلَّت العقول والتمييز . ﴿ مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴾ نكررها تارة من جهة المقدمات العقلية ، وتارة من جهة الترغيب والترهيب ، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين ، وقيل : يُبين الآيات والعلامات الدالة على التوحيد والنبوَّة ، ﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها ؛ والصدف : الإعراض عن الشيء .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٤
قال : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ أي ما وُعِظُوا به ، أي تركوا ما جاءتهم به الرسل . وفي قول الحسن : أعرضواعما جاءت به الرسل . ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي من الرزق . وقال مجاهد : أبواب كل شيء من رخاء الدنيا . ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾ أي بالعذاب فجأة . وقال مجاهد : فجأة آمنين وهم لا يشعرون . ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ أي يئسون .
وقال بعضهم : ما ذكروا به من أمر الله ﴿ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾ أي بغت القومَ أمرُ الله . وقلّ مَا أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغبطتهم . قال : ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أي القوم الذين أشركوا ﴿ وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ .
وهي مثل الآية التي في الأعراف : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ ﴾ أي القحط ﴿ الحَسَنَةَ ﴾ أي الرخاء ﴿ حَتَّى عَفَوْا ﴾ أي حتى كثروا ﴿ وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ﴾ فلم يكن شيء . قال الله : ﴿ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ [ الأعراف : 94-95 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٤
﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَموا ﴾ أَى فقطع دابرهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر ، ليذكر الظلم الموجب لقطع دابرهم وهو آخرهم أَى استؤصلوا بالعذاب جميعاً ، فذكر الدابر كناية عن التعميم ، حتى أَن العذاب وصل إِلى آخرهم ، ودابر كل شئ الجزء الأَخير منه ، ويطلق أَيضاً على الأَصل كما فسر به الأَصمعى الآية ونحوها ﴿ وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ حمد الله نفسه على نصرة الرسل وإِهلاك أَعدائهم وهم أَعداؤه ، فإِن إِهلاكهم نعمة عظيمة فيها تخليص أَهل الأَرض من زيغهم والاقتداء بهم ، وما يترتب عيه من مضرة الدنيا والآخرة ، وفيها إِظهار حجة الرسل ، وفى ذلك تعليم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين أَن يحمدوا الله على إِهلاك أَعدائهم إِذا أَهلكهم ، والإِخلال بالشرع يوجب الهرج والمرج ، والرب بمعنى المنعم وإِن أُريد معنى المالك فالمعنى الحمد لله الملك القهار الذى له الكبرياء والعظمة والتصرف فى ملكه كيف شاءَ .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٤