سورة الأنعام · الآية ٤٦ من ١٦٥

‹ السورة السابقة
قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَیۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡءَایَٰتِ ثُمَّ هُمۡ یَصۡدِفُونَ٤٦
الرسم الإملائيّ

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ

الجزء ٧الربع ٥٣ صفحة ١٣٣

تفسيرها

[سورة الأنعام — آية 46]

﴿ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ أي : تضرَّعوا بالتوبة ! ، ومعناه : نفي التضرُّع ، كأنه قيل : فلم يتضرَّعوا إذ جاءهم بأسنا ، ولكنه جاء بـ (( لولا )) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرُّع ؛ ﴿ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فكان سبب منع التضرُّع إليه قسوة قلوبهم ، ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فصاروا معجبين بأعمالهم ، أو زيَّن لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا .

﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ من البأساء والضراء ، أي : تركوا الاتعاظ به ، ولم يزجرهم ؛ ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ من الصحة والسعة وصنوف النعم ؛ وهذا فتح استدراج ومكر ، أي : (لعله) بدلنا مكان البلاء والشدة ، الرخاء والصحة . ﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ ﴾ من الخير والنعم فرحا، بمعنى الركون إليه ، والاعتماد عليه والثقة به ، والطمأنينة بوجوده ، دون وعد الله ؛ ﴿ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾ أخذ تعذيب فجاءة ، أمن ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا لهم [ كذا ] ، ﴿ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ آيسون من كل خير متحيرون ، وأصله الإطراق حُزنا لما أصابه ، ندما على ما فاته ، قال أبو عبيدة : (( المُبلس : النادم الحزين ، وأصل الإبلاس : الإطراق من الحزن والندم )) ؛ وروي عن رسول الله  : (( إذا رأيت يعطي لأحد ما يحب ، وهو مقيم على معصية ، فإنما ذلك استدراج )) ، ثم تلا : ( فلما نسوا ما ذكِّروا به .. ) الآية )) ؛ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ هُلكوا عن آخرهم ، ولم يُترك منهم أحد ، ﴿ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ إيذان لوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة ، وأنه من أجل النعم ، وأجزل القسم ؛ ثم دلَّ على قدرته ، وتوحيده بقوله :

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ﴾ بأن أصمَّكم وأعماكم ، فلم تسمعوا ، ولم تُبصروا عواقب ما يضرُّكم ولا ينفعكم ، ﴿ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم ﴾ فشلَّت العقول والتمييز . ﴿ مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴾ نكررها تارة من جهة المقدمات العقلية ، وتارة من جهة الترغيب والترهيب ، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين ، وقيل : يُبين الآيات والعلامات الدالة على التوحيد والنبوَّة ، ﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها ؛ والصدف : الإعراض عن الشيء .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٥

[سورة الأنعام — آية 46]

قوله : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ ﴾ فأذهبه ﴿ وَأَبْصَارَكُمْ ﴾ فأعماها ﴿ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مِّنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله ﴾ أي ليس غيره إله ﴿ يَأْتِيكُم بِهِ ﴾ أي بما اذهب من أسماعكم وأبصاركم فإنه ليس يفعل ذلك حتى يرده عليكم إن شاء إلا هو . قوله : ﴿ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴾ يقول : كيف نبيّن الآيات ﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ يقول : يعرضون عنها .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٥

[سورة الأنعام — آية 46]

﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أَيها المشركون ﴿ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ ﴾ أَصمكم ﴿ وَأَبْصَارَكُمْ ﴾ أَعماكم ﴿ وَخَتَمَ عَلَ قُلُوبِكُمْ ﴾ غطى عليها حتى لا تفهم ، أَى أَرأَيتم سمعكم وأَبصاركم وعقلكم ، إِن أَخذ الله سمعكم وأَبصاركم ، أَى إِن أَخذها ، ولكن لما حذف مرجع الضمير من أَول الكلام أَظهر ، والمفعول الثانى معلق عنه بالاستفهام هو مجموع قوله ﴿ مَنْ إِلهٌ ﴾ من الآلهة المتعددة على زعمكم ﴿ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ﴾ أَى بما ذكر من السمع والبصر والعقل ، أَو بما ذكر من مأخوذ أَو مختوم عليه أَو بواحد منهن لا على التعيين ، كأنه قيل : إِن أَزال منافع أَشراف أَعضائكم القوة السامعة والقوة الباصرة والحياة والفهم فمن يردها غير الله ، فهو وحده المستحق للعبادة ، وذلك كما يعود اسم الإِشارة المفرد إِلى الجكاعة بتأويل ما ذكر ، وأَولى من هذا أَن الهاء عائد إِلى واحد بأَن يفرد الخطاب لكل إِنسان على حدة ، كأَنه قيل من يأتى كل واحد منكم بسمعه ، ومن يأتيه ببصره ، ويجوز أَن يتنازع رأَيتم وأَخذ فى سمعكم وأَبصاركم ، وقرن رأَى هنالك بالكاف لا هنا لأَن التهديد هنالك أَعظم ، وقيل للاكتفاء بما قبله وما بعده ، وقيل صاروا بسلب تلك المشاعر كمن لا يحس فهم كمن لا يخاطب ، وجملة يأْتيكم نعت إِله كغير ، كما أَنه كرر قل على طريق الاهتمام بشأْن المقول ، ولم يعطف لبيان أَنه مستقل بحياله ، وقدم السمع ، قيل لأَنه أَجل من نعمة البصر وقدما على ختم القلوب لأَنهما ظاهران ، ولأَنهما آلتان لفهم القلوب طريقان إِليها ، فأخذها سد لبابها ، فمن ولد أَعمى أَصم ، وبلغ سن التكليف لم يكلف عندنا ، وقال بعض الحنية قد يكلفن وإِن الإِدراك لا يتوقف عليهما ، وقدم القلوب فى بعض المواضع لأَن القلب ملك الأَعضاء تصلح وتفسد به ، والمراد بالقلب نفس القلب لأَنه أَنسب بالختم لا فهمه ، وعبر بالأَخذ با بالإصمام والإِعمام لأَن ما أَخذه الله لا مرسل له من بعده ، وقيل : الختم تفسير للأَخذ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ﴾ فى هذه السورة أَو مطلقاً ﴿ الآياتِ ﴾ نكررها على أَنحاء مختلفة كل تقوى الأُخرى ، كتصريف الرياح شمالا وصبا ، فتذكر من جهة المقدمة العقلية ، كقوله تعالى : وما من دابة إِلخ . . ومن جهة الترغيب والترهيب كقوله تعالى : من يشإ الله يضلله ، وقل أَرأَيتكم إِن أَتاكم عذاب الله ، والترهيب مقدم ومن جهة التنبيه كقوله تعالى : ولقد أَرسلنا إِلى أُمم ، وفيه الترغيب والترهيب أَيضاً ، ومن جهة التذكير بأَحوال المتقدمين كقوله تعالى ﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ يعرضون أَو يميلون عطفاً على نصرف ، وهو العمدة فى التعجيب المستفاد بقوله انظر من عرض الكلام ، وثم لاستبعاد الإِعراض عن الآيات بعد تصريفها فى الدلالة على التوحيد والنبوة تشبيها بتراخى الزمان .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٣٥