تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنعام

الجزء الأنعام · صفحة ٠
[سورة الأنعام — آية 46]

﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أَيها المشركون ﴿ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ ﴾ أَصمكم ﴿ وَأَبْصَارَكُمْ ﴾ أَعماكم ﴿ وَخَتَمَ عَلَ قُلُوبِكُمْ ﴾ غطى عليها حتى لا تفهم ، أَى أَرأَيتم سمعكم وأَبصاركم وعقلكم ، إِن أَخذ الله سمعكم وأَبصاركم ، أَى إِن أَخذها ، ولكن لما حذف مرجع الضمير من أَول الكلام أَظهر ، والمفعول الثانى معلق عنه بالاستفهام هو مجموع قوله ﴿ مَنْ إِلهٌ ﴾ من الآلهة المتعددة على زعمكم ﴿ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ﴾ أَى بما ذكر من السمع والبصر والعقل ، أَو بما ذكر من مأخوذ أَو مختوم عليه أَو بواحد منهن لا على التعيين ، كأنه قيل : إِن أَزال منافع أَشراف أَعضائكم القوة السامعة والقوة الباصرة والحياة والفهم فمن يردها غير الله ، فهو وحده المستحق للعبادة ، وذلك كما يعود اسم الإِشارة المفرد إِلى الجكاعة بتأويل ما ذكر ، وأَولى من هذا أَن الهاء عائد إِلى واحد بأَن يفرد الخطاب لكل إِنسان على حدة ، كأَنه قيل من يأتى كل واحد منكم بسمعه ، ومن يأتيه ببصره ، ويجوز أَن يتنازع رأَيتم وأَخذ فى سمعكم وأَبصاركم ، وقرن رأَى هنالك بالكاف لا هنا لأَن التهديد هنالك أَعظم ، وقيل للاكتفاء بما قبله وما بعده ، وقيل صاروا بسلب تلك المشاعر كمن لا يحس فهم كمن لا يخاطب ، وجملة يأْتيكم نعت إِله كغير ، كما أَنه كرر قل على طريق الاهتمام بشأْن المقول ، ولم يعطف لبيان أَنه مستقل بحياله ، وقدم السمع ، قيل لأَنه أَجل من نعمة البصر وقدما على ختم القلوب لأَنهما ظاهران ، ولأَنهما آلتان لفهم القلوب طريقان إِليها ، فأخذها سد لبابها ، فمن ولد أَعمى أَصم ، وبلغ سن التكليف لم يكلف عندنا ، وقال بعض الحنية قد يكلفن وإِن الإِدراك لا يتوقف عليهما ، وقدم القلوب فى بعض المواضع لأَن القلب ملك الأَعضاء تصلح وتفسد به ، والمراد بالقلب نفس القلب لأَنه أَنسب بالختم لا فهمه ، وعبر بالأَخذ با بالإصمام والإِعمام لأَن ما أَخذه الله لا مرسل له من بعده ، وقيل : الختم تفسير للأَخذ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ﴾ فى هذه السورة أَو مطلقاً ﴿ الآياتِ ﴾ نكررها على أَنحاء مختلفة كل تقوى الأُخرى ، كتصريف الرياح شمالا وصبا ، فتذكر من جهة المقدمة العقلية ، كقوله تعالى : وما من دابة إِلخ . . ومن جهة الترغيب والترهيب كقوله تعالى : من يشإ الله يضلله ، وقل أَرأَيتكم إِن أَتاكم عذاب الله ، والترهيب مقدم ومن جهة التنبيه كقوله تعالى : ولقد أَرسلنا إِلى أُمم ، وفيه الترغيب والترهيب أَيضاً ، ومن جهة التذكير بأَحوال المتقدمين كقوله تعالى ﴿ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ يعرضون أَو يميلون عطفاً على نصرف ، وهو العمدة فى التعجيب المستفاد بقوله انظر من عرض الكلام ، وثم لاستبعاد الإِعراض عن الآيات بعد تصريفها فى الدلالة على التوحيد والنبوة تشبيها بتراخى الزمان .

٨٣٥ / ٦٬٢٣٦