قُلۡ إِنِّی عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِی مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦۤۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ یَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَیۡرُ ٱلۡفَٰصِلِینَ٥٧
الرسم الإملائيّ
قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ
الجزء ٧الربع ٥٣ صفحة ١٣٤
تفسيرها
﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ ﴾ أي : زُجرتُ وصُرفتُ – بأدلة العقل والسمع – عن عبادة ما تعبدون من دون الله ، وهو في المعنى يتناول كلَّ معصية لله تعالى ، بما تهواه النفس بغير الحق ، بدليل قوله : ﴿ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ ﴾ أي : لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم ، من اتباع الهوى دون اتباع الدليل ، وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال ، ومضمون الآية دليل على أنهم يعبدون هوى أنفسهم بدليل قوله : ( قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ ) ، ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾ أي : إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال ﴿ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ وما أنا من أهل الهدى ، يعني : إنكم كذلك ، وإن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق ، وسلكت طريق الهوى ، ولما نفى أن يكون الهوى متبعا ، نبه على ما يجب اتباعه بقوله :
﴿ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي : إني على معرفة ربي ، وإنه لا معبود سواه أي : على بينة من ربي ، أي : على بصيرة وبرهان فيما أمر ونهى ، على حجة واضحة ، ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ حيث أشركتم به غيره ، ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ يعني : العذاب الذي استعجلوه في قوله : ( فأمطر علينا حجارة من السماء ) ، ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ﴾ في تأخير عذابكم . ﴿ يَقُصُّ الْحَقَّ ﴾ أي : يقول الحق النافون [ كذا ] ، يقضي الحق ، أي : القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل ، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾ القاضين .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٦
قوله : ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي : النبوّة . ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهِ ﴾ أي : بالقرآن ﴿ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي من العذاب لقولهم : ﴿ عَجِّلْ لَّنَا قِطَّنَا ﴾ [ سورة ص : 16 ] أي عذابنا ، ولقولهم : ﴿ اللهمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ الأنفال : 32 ] ، وأشباه ذلك . قال الله : ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ ﴾ [ الحج : 47 ] .
قوله : ﴿ إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ﴾ أي : إِنِ القضاء إلا لله . ﴿ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ ﴾ أي : يحكم بالحق وهو خير الفاصلين . وهي تقرأ على وجه آخر ، يقصّ الحق . من قبل القَصَص . والوجه الأول أحسنهما ، لأنه ذكر في آخر الآية الفصل . فالفصل فصل القضاء ، يقول : يقضي الحق . وهو خير الفاصلين ، أي القاضين .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٦
﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد قطعاً لأَطماعهم فى أَن تتبعهم فى المسح على آلهتهم إِذا قالوا امسح عليها نؤمن بإِلهك ﴿ إِنى نُهِيتُ ﴾ بالآيات النقلية والعقلية فى شأن التوحيد كقوله تعالى ﴿ قل إِنى نهيت ﴾ إِلى قوله ﴿ لما جاءَنى البينات من ربى ﴾ ﴿ أَنْ أَعْبُدَ ﴾ أَى عن أَن أَعبد ﴿ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ﴾ أَى تعبدون ، أَو تسمونهم آلهة ، واختار الذين لاعتقادهم فى الأَصنام أَنهم عقلاء ، أَو قريبون من العقلاء ﴿ قُلْ ﴾ لهم أَيضاً قطعاً لأَطماعهم فى أَن تتابعهم أَو تلاينهم فى المسح على آلهتهم ﴿ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ ﴾ فى عبادتكم أَو مماستها ، إِنما أَنتم على محض الهوى والجهالة لا على الهدى فكيف أَتبعكم وأَترك الحجة العقلية والنقلية ، وقيل : لا أَتبع أَهواءَكم فى طرد المؤمنين ، وكرر قل مع قرب ذكره اعتناء بالمأْمور ، وفرقاً بأَن الأَول لما هو من جهة الله تعالى ، وهو النهى ، والثانى من جهته صلى الله عليه وسلم وهو الانتهاء عما يطالبون من المداهنة وجمع الأَهواء مع أَن هواهم كلهم عبادة غير الله لتعددها فى الحقيقة؛ لأَن كل واحد يجعل لنفسه صنماً يعبده ولا يعبد غيره من الأَصنام ، أَو تتفق جماعة على صنم وأَخرى على آخر ، وهذا أَولى مما قيل أَنه جمع ولو كان واحداً فى نفسه ولكن متعدد بالإِضافة إِليهم ، ﴿ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ﴾ هى إِذاً التى هى حرف جواب وجزاء لم يذكر المضارع بعدها ، أو الظرفية الماضوية المعوض تنوينها عن الجملة بلا إِضافة نحو حين إِليها ، أَو الاستقبالية معوضاً عن شرطها التنوين ، والأَول والثالث أَنسب بفتح الذال ، وهكذا فى غير هذا الموضع ، أَى قد تحقق ضلالى فى مقابلة اتباعى أَهواءَكم لو اتبعتها ، أَو حين اتبعتها لو اتبعتها ، أَو إِذا اتبعتها لو كنت اتبعتها ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ تعريض المشركين بأَنهم على غير هدى تأكيدا للفعلية بعطف الاسمية فى شىء ما فضلا عن أَن اهتدين ، أَو أَنا مهتد قولا دالا على الهدى التام مع أَنى متبع لأَهوائكم لو اتبعتها ، وكيف أَتبعها وأَترك الحجج النقلية والعقلية ، وتوحيده صلى الله عليه وسلم بالحجة والتقليد ، ويكفى غيره التقليد الجازمخ على الصحيح عندنا معشر الإِباضية الوهبية ، وهو الذى حكاه المقلد غير صحيح افتراء عليه ، وزاد تأْكيد المتقدم بقوله :
﴿ قُلْ إِنِّى على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّى ﴾ بيان واضح مميز بين الحق والباطل فأَنا على يقين ، أَو البينة القرآن أَو الوحى والحجج العقلية فلا أَخالف ذلك ، ويقبح عليكم خلافه ، واستقبح مخالفته بقوله ﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ سواءً جعلناه حالا من ضمير على بينة ، أَو من ربى أَو من بينة الموصوفة بقوله من ربى ، بتقدير قد أَو دونه ، ومن للابتداء أَو للبيان ، أَى على بينة من معرفة ربى ، أَم جعلناه عطفاً على مدخول قل لصحة قد كذبتم به وما يحق لكم التكذيب به ، لا على خبر إن لعدم صحة إِن كذبتم به ، ولا تثبين عندى واو الاستئناف ، وهاء به لربى أَو للقرآن المعلوم من المقام ، أَو من بينة لأَنها القرآن أَو البيان أَو البرهان ، أَو التاء للمبالغة والأَصل على أَمر بين ، كما تقول فلان راوية فلان ، ومعنى تكذيبهم لله تكذيبهم وحيه ، ومطلق إِشراك ما تكذيب له سبحانه ، وكان صلى الله عليه سولم يخوفهم على الإِشراك بالعذاب فكانوا يستعجلون به استهزاءً كقولهم : اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك .
. إِلخ . . فنزل قوله تعالى ﴿ مَا عِنْدِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ من العذاب ، وقيل من الآيات المقترحة ، وقضاء على قيام الساعة وليس كذلك ، كما أَنه لا يحسن التفسير بأَنه لو كان ذلك فى حكمتى لأَهلكتكم عاجلا غضباً لربى عز وجل ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ ﴾ فى تأْخير العذاب الذى تستعجلونه ، فإِنه تأْخير لقضاء الله بتأخيره ، وذلك أَن كلامهم على التأخير ، أَو إِن الحكم إِلا لله فى تأخيره واستعجاله ، والمراد أَولا وبالذات الكلام على تأخيره ، وإن الحكم فى كل شىء إِلا لله عز وجل ﴿ يَقُصُّ الْحَقَّ ﴾ أَى يذكره ولا يترك منه شيئاً مما كذبتم به ذكراً ، كقص الأَثر وهو تتبعه كقوله تعالى ﴿ نحن نقص عليك أَحسن القصص ﴾ وقيل يقص بمعنى يقضى كما قرأَ به الكسائى ، وقيل : بمعنى القول كما جاءَ الفصل بمعنى القول كقوله تعالى : ثم فصلت ، ونفصل الآيات تدل على أَنه لا يقدر العبد على شىء إِلا إِذا قضى الله تعالى به كفراً أَو طاعة أَو غيرهما ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ ﴾ الحاكمين .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٦