وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَۚ وَیَعۡلَمُ مَا فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا یَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةࣲ فِی ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبࣲ وَلَا یَابِسٍ إِلَّا فِی كِتَٰبࣲ مُّبِینࣲ٥٩
الرسم الإملائيّ
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
الجزء ٧الربع ٥٤ صفحة ١٣٤
تفسيرها
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾ أي : خزائن الغيب ﴿ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ المفاتح جمع : مفتح ، وهو المفتاح ، وهي خزائن العذاب والرزق ، أو ما غاب عن العباد من الثواب والعقاب والآجال والأحوال ، جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة ، لأن المفاتح يُتوصل بها إلى ما في المخازن والمستوثق منها بالإغلاق ولإقفال ، ومن مفاتحها وكيفية فتحها توصَّل إليها ؛ فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات ، وعاجدة [ كذا ] لا يتوصَّل إليها غيره ، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ ﴾ من النبات والدواب ، ﴿ وَالْبَحْرِ ﴾ من الحيوان والجواهر وغيرهما ، ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾ يريد ساقطة وثابتة ، يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده ، ﴿ وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ ﴾ قيل : هو عبارة عن كل شيء ، ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ وهو علم الله ، أو اللوح .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٨
قوله : ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ أي خزائن الغيب ، لا يعلمها إلا هو ، فهو يعلم متى يأتيكم العذاب في تفسير الحسن ، وبعضهم يقول : مفاتح الغيب هي قوله : ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلَيْمٌ خَبِيرٌ ﴾ [ لقمان : 34 ] .
ذكروا عن ابن عمر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خمس لا يعلمهنّ إلا الله : ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ . . . إلى آخر الآية » .
ذكر موسى بن علي عن أبيه قال : كنت عند عمرو بن العاص بالاسكندرية إذ قال رجل : زعم قسطار هذه المدينة أن القمر يُخسَف به الليلة ، فقال رجل : كذب هذا ، لا ظننت تعلمون ما في الأرض ، فكيف تعلمون ما في السماء . فقال عمرو بن العاص : إن الله يقول : ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ . . . إلى آخر الآية ، وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله آخرون .
ذكر الحسن قال : أضَلَّ رجل من المسلمين راحلته فذهب يطلبها ، فلقي رجلاً من المشركين فَنَشَدها إياه ، فقال : ألستَ مع هذا الذي يزعم أنه نبيّ؟ قال : أفلا تقول له فيخبرك بمكان راحلتك . فمضى الرجل قليلاً فردّ الله عليه راحلته . فلما جاء إلى النبي أخبره بقول الرجل؛ قال له : فما قلت له؟ فقال : ما عسيت أن أقول لرجل من المشركين مكذِّب . قال : أفلا قلت له : إن الغيب لا يعلمه إلا الله ، وإن الشمس لم تطلع قط إلا بزيادة أو نقصان .
قوله : ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ .
ذكروا عن ابن عباس أنه قال : أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب ، فقال : ربّ وما أكتب ، قال : ما هو كائن . قال : فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . فأعمال العباد تعرض على العباد كل يوم اثنين ويوم خميس فيجدونه على ما في الكتاب .
ذكروا أن سورة الأنعام نزلت كلها جملة ، شيّعها سبعون ألف ملك . ومع هذه الآية الواحدة منها اثنا عشر ألف ملك : ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ . . . . إلى آخر الآية .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٨
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴾ جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء ، أَو مفتاح بالأَلف حذفت فى الجمع كما فى مصابح ومحارب بلا ياء ، عكس زيادتها فى صياريف بلا أَلف ، اسم آلة فتح الباب استعير للأَمر الذى يتوصل به المخلوق من الأَسباب إِلى الغيب الذى يطلبه ، أَى إِلى مطلوبه الغائب ، أَو ذى الغيب فيحصل له ، أَو ذلك تذكير أَسباب خلقها الله عز وجل فيوفق إِليها المخلوق ، وتسمى طرقاً ، ولا يقال يتوصل الله إلى المغيبات المحيط علمه بها إِلا على معنى أَنه خالقها . أَو على معنى أَن عنده أَسباباً لإِحضار المغيبات ، أَو أَسباباً يعلم بها المخلوق ما غاب كالوحى بأَنواعه والإِلهام والرؤيا ممن اعتاد صدقها ، وشبه الغيب بالخزائن المستوثق منها بالأَقفال ، ورمز إِلى ذلك بذكر آلات الفتح وإِثباتها تخييل أَو استعارة تمثيلية ، أَو جمع مفتح بفتح الميم والتاء مصدراً ميمياً بدون أَلف ، وهو قليل ، بمعنى أَنه بفتح الغيب على من يشاء من عباده ، أَو جمع مفتح بفتح الميم والتاء اسم مكان ميمياً ، أَو مواضع الفتح ، كما فسره ابن عباس بخزائن المطر ، والمفتح المخزن أَو الكنز ، أَى خزائن الغيب أَضيفت للغيب لغيوبتها ، أَو يراد بها القدرة الكاملة ، وقيل : استعير العلم للمفاتح والقرينة الإِضافة للغيب ، ومن مفاتح الغيب هذه السورة نزلت بمكة جملة معها سبعون ألف ملك تكاد الأَرض ترتج بصوت تسبيحهم وتحميدهم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : سبحان ربى العظيم ، وخر ساجداً . قال صلى الله عليه وسلم : « من قرأَ سورة الأَنعام صلت عليه أَولئك السبعون أَلف ملك ليله ونهاره ، وأَمر بكتابتها » قال ابن عباس : إِلا قوله تعالى ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ الآيات الثلاث ، وإِلا قوله تعالى ﴿ قل تعالوا أَتل ما حرم ﴾ الآيات الثلاث ففى المدينة . وقيل : نزلت مرتين ﴿ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ يعلمها نفسها وأَوقاتها وحكمتها ، قال عبد الله ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « خمس لا يعلمها إِلا الله تعالى : لا يعلم أَحد ما يكون فى غد إِلا الله تعالى ، ولا يعلم أَحد ما يكون فى الأَرحام إِلا الله تعالى ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا ، ولا تدرى نفس بأَى أرض تموت إِلا الله ، ولا يعلم متى الساعة إِلا الله » وقيل : خزائن الأَرض ، و علم نزول العذاب ، وقيلك : الثواب والعقاب . وقيل : انقضاء الآجال والسعادة والشقاوة وخواتم الأَعمال ، وقيل : الأَقدار والأَرزاق . وعن ابن عباس : مفاتح الغيب خمس وتلا : ﴿ إِن الله عنده علم الساعة ﴾ والجملة حال من المستتر فى عنده ، وناصبها عند لنيابتها عن استقر المنتقل منه المضمر إِلى عند ، أَو ناصبه استقر ، أَو حال من مفاتح على قول سيبويه بجواز الحال من المبتدأ ، والجملة خبر ثان أَو مستأَنفة .
وذلك إِخبار بتعلق علمه وحده بما غاب عن خلقه ، وأَخبر بتعلق علمه بما يشاهدونه فى الجملة بقوله ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِى البَرِّ والْبَحْرِ ﴾ من الأَجسام ، وفىمفاتح الغيب أَجسام وأَعراضها ، البر الأَرض مطلقاً ، والبحر الماء المغرق ، البحر المحيط وسائر البحار المالحة ، وقيل : البحر الماء المغرق ولو حلواً . وقيل : البر الصحراء والبحر خلافه . وقيل : البر القفار والبحر كل قرية فيها ماء ولا يتبادر . والصحيح ما ذكرت أَولا . وذكر خصوص الأَعراض والأَحوال بقوله ﴿ وَمَأ تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾ إِلخ ، فإِن السقوط والرطوبة واليبس وتوفيهم بالليل وكسبهم بالنهار مثلا من الأَعراض ، وهو أَحوال ، وخص سقوط الورقة دون سائر الأَحوال المناسبة لأَحوال التوفى الآتية ، ولأَن التغير فى الورقة أَظهر ، ولأَن العلم بالسقوط مما يغفل عنه يستلزم العلم بما يعتنى به ، وما تتغير ورقة من حال إِلى حال إِلا يعلمها ، وجميع الأَرض إِما أَرض خاصة أَو أَرض عليها ماء مغرق ، وفى كلتيهما عجائب الصنع تدل على كمال قدرته وسعة علمه مثلا ، أَو البر المفازة التى لا ماء فيها ولا نبات والبحر القرى والأَمصار ، والجمهور على الأَول ، وفى علمه بسقوط الورقة ونحوه وبما فى البر والبحر المقرونين بأَل الاستغراقية ، أَى جميع البر والبحار ، ومبالغة فى إِحاطة علمه بالجزئيات ، وتلويح بعلم العرش والكرسى وغير ذلك ، والأَرضين كلهن ، وقد يدخل فى لفظ البر وبعلم أَجزاء الأَرضين والبحار ، وجملة يعلم حال من ورقة ولو نكرة لتقدم النفى واستغراقها بمن نصا ﴿ وَلاَ حَبَّةٍ فى ظُلُمَاتٍ ﴾ نعت حبة ، وظلمة الأَرض داخلها الذى هو خلاف ظاهرها ، وقيل : ما تحت الصخرة تحت الأَرضين ، وقيل : ما هو فى ظلمة من ظلمات الأَرض مثل جاخل البيت الذى لا ضوءَ فيه ، وما تحت حجر أَو ساتر غيره ، وحالها ليلا ، وقيل : بطن المرأَة أَو غيره من الجنين ﴿ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ ﴾ فى ظلمات الأَرض ، أَو مطلقاً معطوفات على ورقة ، أَى وما تسقط من حبة فى ظلمات الأَرض ولا رطب ولا يابس ﴿ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ يتعلق بمحذوف حال من الثلاثة ، كأَنه قيل : ولا تسقط حبة فى ظلمات الأَرض ولا رطب ولا يابس إِلا يعلمهن ، فإِن ما فى اللوح المحفوظ المعبر عنه بالكتاب المبين معلوم لله جل وعلا ، وكذا إِن فسرنا الكتاب المبين بعلمه تعالى ، وذلك أَولى من دعوى أَن قوله إِلا فى كتاب بدل مطابق من قوله إِلا يعلمها إِن فسر بالعلم ، وبدل اشتمال إِن فسر باللوح إِذ لا يتصور إِبدال الظرف من الجملة الفعلية ، ولا بدل اشتمال بلا رابط ، ويجوز كون حبة مبتدأ مجروراً بمن زائدة محذوفة لدلالة ما قبل ، وفى كتاب خبره فلا ينسحب عليهن السقوط ، وقد ضعف بعض انسحابه عليهن حين أَعربن بالعطف على ورقة .
والحبة الجزء الدقيق من تراب أَو غيره ، والحبة النابتة قبل النبت ، والرطب ما ينبت والحى وما فيه بلل ، واليابس مالا ينبت والميت ومالا بلل فيه ، وهما عبارتان عن كل مخلوق من الأَجسام ، فإِن الأَجسام كلها إِما رطبة وإِما يابسة . وعن ابن عباس رضى الله عنهما : الرطب ما ينبت واليابس ما لا ينبت ، وعنه : الرطب الماء واليابس التراب ، وقيل : الرطب الحى واليابس الميت ، وكل ما ذكر بعد تفصيل لقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ وكيف لا يعلم ذلك وهو خالقه ومريد له ودخل فى علمه اختلاف محال الحبات المشغلة بالريح المنتقلة ، أَو بما شاءَ الله ، وملاصقتها بجوانبها واختلاف التلاصق وأَلوانها .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٤٨