سورة الأعراف · الآية ١٦٣ من ٢٠٦

‹ السورة السابقة
وَسۡءَلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلَّتِی كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ یَعۡدُونَ فِی ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِیهِمۡ حِیتَانُهُمۡ یَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعࣰا وَیَوۡمَ لَا یَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِیهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ یَفۡسُقُونَ١٦٣
الرسم الإملائيّ

وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ

الجزء ٩الربع ٦٨ صفحة ١٧١

تفسيرها

[سورة الأعراف — آية 163]

﴿ واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾ بتجاوزهم حد الله فيه ، وهو اصطيادهم ، وقد مضت قصتهم ، ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ بسبب فسقهم يسر الله عليهم العسرى ، وأغلق عليهم باب اليسرى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١١٧

[سورة الأعراف — آية 163]

قوله : ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ ذكر بعضهم قال : ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر يقال لها أيلة . فكان إذا كان السبت أقبلت الحيتان فتنبطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمن الله في الماء . فإذا كان غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم . فخدعهم الشيطان فقال : إنما نهيتم عن أكله ولم تنهوا عن صيده . فاصطادوها يوم السبت ، ثم أكلوها بعد ذلك .

وقال الكلبي : هي أيلة ، وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد ، تأتيهم منها [ حتى لا يروا الماء وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت ] كما تأتيهم في ذلك الشهر . قال : وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . وذلك في زمان داود عليه السلام .

وقال الكلبي : فإذا جاء السبت لم يمسوا منها شيئاً . فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت ، فأكثروا منها ، وملّحوا وباعوا؛ ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشروا وقالوا : إنا نرى السبت قد حلّ وذهبت حرمته؛ إنما كان يعاقب به آباؤنا في زمن موسى ، ثم استنَّ الأبناء سنة الآباء ، وكانوا يخافون العقوبة ، ولو كانوا فعلوا لم يضرهم شيء . فعملوا بذلك سنين ، حتى أثروا منه ، وتزوجوا النساء ، واتخذوا الأموال .

فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا : يا قوم ، إنكم قد انتهكتم حرمة سبتكم ، وعصيتم ربكم ، وخالفتم سنة نبيّكم ، فانتهوا عن هذا العمل الرديء قبل أن ينزل بكم العذاب ، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته . قالوا : فلمَ تعظوننا إذ علمتم أن الله مهلكنا ، والله لقد عملنا هذا العمل منذ سنين ، فما زادنا الله به إلا خيراً؛ وإن أطعتمونا لتفعلن مثل الذي فعلنا؛ فإنما حرم هذا على من قبلنا ، وهم الذين نهوا عنه . قالوا : ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله ، فإنه كأن قد نزل بكم . قالوا : ف ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ . قالوا : معذرة إلى ربكم؛ إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر ، أو تهلكوا فننجو من معصيتكم . فأنزل الله : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ ﴾ ، أي شديد ، ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ . فأصبح الذين استحلّوا السبت قردة خاسئين .

وقال بعضهم : إنهم صاروا ثلاث فرق : فرقة اجترأت على المعصية ، وفرقة نهت ، وفرقة كفّت فلم تصنع ما صنعوا ولم تنههم؛ فقالوا للذين نهوا : لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ، قالوا معذرة إلى ربكم . ولعلهم يتقون .

قوله : ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾ أي يعتدون في السبت ، وهو من الاعتداء ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ﴾ قال الحسن : إن الله حرم عليهم أخذ الحيتان يوم السبت بخطيئة كانت منهم ، وأحل لهم الأيام كلها إلا يوم السبت . فإذا كان يوم السبت أتتهم على أبوابهم فتنبطح وتشرع . ﴿ وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ أي في غير يوم السبت ﴿ لاَ تَأْتِيهِمْ ﴾ . قال الله : ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم ﴾ أي نبتليهم ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ . أي بما تعدوا وأخذوا في السبت .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١١٧

[سورة الأعراف — آية 163]

﴿ وَاسْأَلْهُمْ ﴾ اسأَل يا محمد معاصريك من اليهود ﴿ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتى كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ سؤال توبيخ وتقريع بكفر قدمائهم إِذ زعموا أَن قدماءَهم لم يخالفوا الله عز وجل ، وكانوا يعتقدون أَنه لا يعلم أَحد غيرهم شأن أَهل هذه القرية ، وكانوا يخفونه ، وهى قرية حاضرة بحر القلزم تسمى أَيلة بين مدين والطور ، أَو مدين أَو طبرية ، لكن طبرية ليست على بحر القلزم على عهد داود عليه السلام بل بعده بفتح البحر ، أَو مغنى بين مدين وعينونا ، فأَخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم بها ، وبواقعة أَهلها ، فبهتوا ، والمراد : سلهم عن أَهل القرية ، أَو عن خبرها وحالها ، وما وقع فيها ، وهذه الآيات الثمان ، واسأَلهم إِلخ . . مدنيات فى سورة مكية ﴿ إِذْ ﴾ متعلق بكانت أَو بحاضرة ، أَو بواقعة القرية أَو خبرها ، قيل : أَو بدل منها لأَن المراد اسأَلهم عن واقعة القرية أَو خبرها ، واعترض تعليقه بكانت أَو حاضرة ، بأَنه لا فائدة فى تقييد الكون أَو الحضور بوقت العدوان ﴿ يَعْدُون ﴾ يجاوزون الحد بالاصطياد ، وواو يعدلون للأَهل المقدر أَو للقرية بمعنى : أَهلها ، أَو إِليهم على الاستخدام ﴿ فِى السَّبْتِ ﴾ وقد نهوا عنه ، تركوا الجمعة وأَخذوا السبت ، إِذ خيروا فحرم عليهم الصيد فيها ، وناسب أَنهم سبتوا الخير عن أَنفسهم أَى قطعوه ﴿ إِذْ ﴾ متعلق بيعدون ، أَو بدل من إِذ ، وتعليقه بيعدون أَولى لأَن السؤال عن عدوانهم أَبلغ فى الرد عليهم ﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ﴾ ياؤُه عن واو بكسر ما قبلها ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ﴾ والحيتان لله تعالى أَو للبحر وأضيف إِليهم لأَنها بلية عليهم إِذ نهوا عنها وهلكوا بسببها ، والسبت اليوم ، وإِضافة يوم إِليه للبيان ، إِضافة عام لخاص ، وأُضيف إِليهم لأَنه عيدهم خصوا بالاشتغال فيه بالعبادة وترك أَشغال الدنيا ، وتعريض بهم إِذ اختاروه وهو شر لهم ، أَو السبت مصدر بمعنى القطع إِذ يقطعون فيه أَعمال الدنيا ، وزعموا أَنه سمى سبتا لأَنه يوم لم يخلق الله عز وجل فيه شيئا ، ويدل للمصدرية قراءَة بعض يوم أَسباتهم وقوله تعالى : ويوم لا يسبتون ﴿ شُرَّعًا ﴾ جمع شارع بمعنى ظهر ودنا فحيتانهم تظهر على الماءِ وتقرب من الساحل للابتلاء من الله عز وجل ، ومن الخطأ ما روى أَن الله عز وجل أَمر السمك أَن يحج إِلى ضنمين لقيم ولقيمانة ، على شاطئ البحر كل يوم سبت ، ونهى الله أَهل القرية أَن يأخذوه يوم السبت ، فمن قال : دعا الله الحوت إِلى عبادة الصنمين أَشرك ، ومن قال : جعلهما كالكعبة فقد دخل شبهة موهمة مظلمة عاملة بما استوجبه من الشر؛ لأَن الله عز وجل لا يضل الناس بتعظيم الصنم ﴿ ويَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ يناسب أَن سبتهم مصدر ، أَى ويوم لا يقطعون العمل ولا يعظمون السبت لأَنهم فى يوم آخر وهو سائر الأَيام بعد يوم السبت ، ولا يتعين ذلك لجواز أَن يكون المعنى يوم لا يدخل السبت ، وهو سائر الأَيام ، فالمراد انتقاء يوم السبت كقوله : على لاحب لا يهتدى بمناره .

أَى لا منار فيه فضلا عن أَن يهتدى به ، وفيه جواز تقديم معمول ما بعد لا عليها ، إِلا أَنه ظرف أَعنى لا فى قوله ﴿ لاَ تَأْتِيهِمْ ﴾ للابتلاءِ من الله عز وجل لهم ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أَى لا تأْتيهم مثل ذلك الإِتيان ، بل تأْتيهم قليلا غير شارعة ، والوقف على كذلك ، والإِشارة للإِتيان ، واستأنف قوله ﴿ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانثوا يَفْسُقُونَ ﴾ بالصيد ، وقيل بمعاص أخر أَراد الله إِظهارها وقد أَخفوها ، وجمعها مع الصيد لئلا يقولوا : عذبنا بلا ظلم ولا تعد ، قلت : لا يظهر ذلك ، وأَولى من ذلك الإِشارة للبلاءِ كنظائره من القرآن والوقف علىتأتيهم ، أَى نبلوهم مثل ذلك البلاء ، والمراد وصفه ، أَو نبلوهم بلاء آخر مثل ذلك البلاء ، والبلاء متعلق بنبلو أَولى من تعلقه بيعدون لأَن كون الاعتداء بالفسق سبباً لتعذيبهم بارتكاب ما نهوا أَقرب من كونه سببا للابتلاء بذلك البلاءِ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١١٧