تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة الأعراف

الجزء الأعراف · صفحة ٠
[سورة الأعراف — آية 163]

قوله : ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ ذكر بعضهم قال : ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر يقال لها أيلة . فكان إذا كان السبت أقبلت الحيتان فتنبطح على سواحلهم وأفنيتهم لما بلغها من أمن الله في الماء . فإذا كان غير يوم السبت بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم . فخدعهم الشيطان فقال : إنما نهيتم عن أكله ولم تنهوا عن صيده . فاصطادوها يوم السبت ، ثم أكلوها بعد ذلك .

وقال الكلبي : هي أيلة ، وهو مكان من البحر تجتمع فيه الحيتان في شهر من السنة كهيئة العيد ، تأتيهم منها [ حتى لا يروا الماء وتأتيهم في غير ذلك الشهر كل يوم سبت ] كما تأتيهم في ذلك الشهر . قال : وذلك بلاء من الله ليعلم من يطيعه ممن يعصيه . وذلك في زمان داود عليه السلام .

وقال الكلبي : فإذا جاء السبت لم يمسوا منها شيئاً . فعمد رجال من سفهاء تلك المدينة فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت ، فأكثروا منها ، وملّحوا وباعوا؛ ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشروا وقالوا : إنا نرى السبت قد حلّ وذهبت حرمته؛ إنما كان يعاقب به آباؤنا في زمن موسى ، ثم استنَّ الأبناء سنة الآباء ، وكانوا يخافون العقوبة ، ولو كانوا فعلوا لم يضرهم شيء . فعملوا بذلك سنين ، حتى أثروا منه ، وتزوجوا النساء ، واتخذوا الأموال .

فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا : يا قوم ، إنكم قد انتهكتم حرمة سبتكم ، وعصيتم ربكم ، وخالفتم سنة نبيّكم ، فانتهوا عن هذا العمل الرديء قبل أن ينزل بكم العذاب ، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته . قالوا : فلمَ تعظوننا إذ علمتم أن الله مهلكنا ، والله لقد عملنا هذا العمل منذ سنين ، فما زادنا الله به إلا خيراً؛ وإن أطعتمونا لتفعلن مثل الذي فعلنا؛ فإنما حرم هذا على من قبلنا ، وهم الذين نهوا عنه . قالوا : ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله ، فإنه كأن قد نزل بكم . قالوا : ف ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ . قالوا : معذرة إلى ربكم؛ إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر ، أو تهلكوا فننجو من معصيتكم . فأنزل الله : ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ ﴾ ، أي شديد ، ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ . فأصبح الذين استحلّوا السبت قردة خاسئين .

وقال بعضهم : إنهم صاروا ثلاث فرق : فرقة اجترأت على المعصية ، وفرقة نهت ، وفرقة كفّت فلم تصنع ما صنعوا ولم تنههم؛ فقالوا للذين نهوا : لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ، قالوا معذرة إلى ربكم . ولعلهم يتقون .

قوله : ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ﴾ أي يعتدون في السبت ، وهو من الاعتداء ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ﴾ قال الحسن : إن الله حرم عليهم أخذ الحيتان يوم السبت بخطيئة كانت منهم ، وأحل لهم الأيام كلها إلا يوم السبت . فإذا كان يوم السبت أتتهم على أبوابهم فتنبطح وتشرع . ﴿ وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ أي في غير يوم السبت ﴿ لاَ تَأْتِيهِمْ ﴾ . قال الله : ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم ﴾ أي نبتليهم ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ . أي بما تعدوا وأخذوا في السبت .

١٬١١٧ / ٦٬٢٣٦