سورة الأعراف · الآية ١٨٤ من ٢٠٦

‹ السورة السابقة
أَوَلَمۡ یَتَفَكَّرُوا۟ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِیرࣱ مُّبِینٌ١٨٤
الرسم الإملائيّ

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ

الجزء ٩الربع ٦٩ صفحة ١٧٤

تفسيرها

[سورة الأعراف — آية 184]

﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾ أردف لهم النعم وأمهلهم ، ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ أخذي شديد ، سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان ، وفي الحقيقة خذلان . ولما نسبوا النبي  إلى الجنون فنزل :

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم ﴾ بمحمد  ﴿ مِّن جِنَّةٍ ﴾ من جنون ، ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ منذر من الله ، موضح إنذاره ، ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال :

﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ نظر استدلال ﴿ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ الملكوت : الملك العظيم ؛ وقيل : الملكوت هو كل ما غاب عن العوام وما لم يدرك إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت ؛ ومعاني جملة القرآن من الملكوت ، ﴿ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم السيء من أجناس لا يحصرها العدد (لعله) لما خلق له ليدلهم على كمال قدرة صانعها ، وتوحيد مبدعها ، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها ، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه . ﴿ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعون إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب . ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ﴾ أي : بعد القرآن ، ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ بأي كتاب غير ما جاء به محمد  يؤمنون إذا لم يؤمنون به ، كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب ، فما لهم لا يبادرون [إلى] الإيمان بالقرآن قبل الفوت ، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق ، وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنون ، ولكن الحاصل من معناهم :

﴿ مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ لعدم هداية الله إياهم ، ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ يتحيرون .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٣٨

[سورة الأعراف — آية 184]

قوله : ﴿ أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ﴾ وهذا جواب من الله للمشركين لقولهم للنبي عليه السلام إنه مَجنون . يقول : لو تفكروا لعلموا أنه ليس بمجنون ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ ينذر عذاب الله ﴿ مُّبِينٌ ﴾ يبين عن الله .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٣٨

[سورة الأعراف — آية 184]

﴿ أَوَلمْ يَتَفَكَّرُوا ﴾ أَكذبوا ولم يتفكروا ، ﴿ مَا بِصَاحِبِهِمْ ﴾ فى صاحبهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ من نوع من أَنواع الجنون ، وما نافية أَو استفهامية إِنكارية علقت بتفكر لأَنه فعل ، قلت : والتعليق تعطيل عامل عن معموله الذى يتوصل إِليه بنفسه أَو بحرف جر ، وها هنا فى ، ومن صلة للتأكيد فى المبتدأ أَو فى العامل ، وفى ذلك التعليق غنى عن تقدير ، أَو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة . وفى هذا التقدير أَيضاً تعليق ، وعن دعوى تمام الكلام فى يتفكروا واستئناف نفى الجنون بقوله ما بصاحبهم نفياً خالصاً أَو إِنكارياً ، وقدر بعض : أَولم يتفكروا فى الذى فى صاحبهم من جنون فى زعمهم فيفهموا أَنه باطل ، وإِنما ينسبونه صلى الله عليه وسلم إِلى الجنون بهتاناً محضاً ، أَو لكونه قد يتغير وجهه من شدة الوحى بصفرة ، أَو كلامه بحرصه فى التبليغ ، وكونه قد يغلف رأسه بالحناء من شدة وجعه ، وكونه معرضاً عما لا يعنى وعن اللذات التى يلتذون بها وتعبه فى العبادة ولا يعتقدون لها ثمرة ، ومداومته على حال لا يعتادونها وهى دعاؤهم إِلى الله تعالى ، وأَنه صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا إِلى الإِيمان ، فأَصبح فقال قائلهم : إِن صاحبكم لمجنون بات يهوِّن ، أَى يصيح ، فنزل : ﴿ أَو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ﴾ ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهر الإِنذار فصاحة ومعنى وصدقاً ، وفى الآية إِن شاءَ الله عز وجل تعريض بهم بأَنهم مجانين ديناً ، وكمجانين الحس إِذ حسبوا ما هو بعيد جداً عند العقلاء ولو منهم جنونا .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٣٨