أَوَلَمۡ یَتَفَكَّرُوا۟ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِیرࣱ مُّبِینٌ١٨٤
الرسم الإملائيّ
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
الجزء ٩الربع ٦٩ صفحة ١٧٤
تفسيرها
﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ﴾ أردف لهم النعم وأمهلهم ، ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ أخذي شديد ، سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان ، وفي الحقيقة خذلان . ولما نسبوا النبي إلى الجنون فنزل :
﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم ﴾ بمحمد ﴿ مِّن جِنَّةٍ ﴾ من جنون ، ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ منذر من الله ، موضح إنذاره ، ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال :
﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ نظر استدلال ﴿ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ الملكوت : الملك العظيم ؛ وقيل : الملكوت هو كل ما غاب عن العوام وما لم يدرك إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت ؛ ومعاني جملة القرآن من الملكوت ، ﴿ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم السيء من أجناس لا يحصرها العدد (لعله) لما خلق له ليدلهم على كمال قدرة صانعها ، وتوحيد مبدعها ، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها ، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه . ﴿ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعون إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب . ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ﴾ أي : بعد القرآن ، ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ بأي كتاب غير ما جاء به محمد يؤمنون إذا لم يؤمنون به ، كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب ، فما لهم لا يبادرون [إلى] الإيمان بالقرآن قبل الفوت ، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق ، وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنون ، ولكن الحاصل من معناهم :
﴿ مَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ لعدم هداية الله إياهم ، ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ يتحيرون .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٣٨
قوله : ﴿ أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ﴾ وهذا جواب من الله للمشركين لقولهم للنبي عليه السلام إنه مَجنون . يقول : لو تفكروا لعلموا أنه ليس بمجنون ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ ﴾ ينذر عذاب الله ﴿ مُّبِينٌ ﴾ يبين عن الله .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٣٨
﴿ أَوَلمْ يَتَفَكَّرُوا ﴾ أَكذبوا ولم يتفكروا ، ﴿ مَا بِصَاحِبِهِمْ ﴾ فى صاحبهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ من نوع من أَنواع الجنون ، وما نافية أَو استفهامية إِنكارية علقت بتفكر لأَنه فعل ، قلت : والتعليق تعطيل عامل عن معموله الذى يتوصل إِليه بنفسه أَو بحرف جر ، وها هنا فى ، ومن صلة للتأكيد فى المبتدأ أَو فى العامل ، وفى ذلك التعليق غنى عن تقدير ، أَو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة . وفى هذا التقدير أَيضاً تعليق ، وعن دعوى تمام الكلام فى يتفكروا واستئناف نفى الجنون بقوله ما بصاحبهم نفياً خالصاً أَو إِنكارياً ، وقدر بعض : أَولم يتفكروا فى الذى فى صاحبهم من جنون فى زعمهم فيفهموا أَنه باطل ، وإِنما ينسبونه صلى الله عليه وسلم إِلى الجنون بهتاناً محضاً ، أَو لكونه قد يتغير وجهه من شدة الوحى بصفرة ، أَو كلامه بحرصه فى التبليغ ، وكونه قد يغلف رأسه بالحناء من شدة وجعه ، وكونه معرضاً عما لا يعنى وعن اللذات التى يلتذون بها وتعبه فى العبادة ولا يعتقدون لها ثمرة ، ومداومته على حال لا يعتادونها وهى دعاؤهم إِلى الله تعالى ، وأَنه صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا إِلى الإِيمان ، فأَصبح فقال قائلهم : إِن صاحبكم لمجنون بات يهوِّن ، أَى يصيح ، فنزل : ﴿ أَو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ﴾ ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهر الإِنذار فصاحة ومعنى وصدقاً ، وفى الآية إِن شاءَ الله عز وجل تعريض بهم بأَنهم مجانين ديناً ، وكمجانين الحس إِذ حسبوا ما هو بعيد جداً عند العقلاء ولو منهم جنونا .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٣٨