خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِینَ١٩٩
الرسم الإملائيّ
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
الجزء ٩الربع ٧٠ صفحة ١٧٦
تفسيرها
﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ اهو [كذا] ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم ، والدنيا وما فيها ، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا ، كقوله عليه السلام : (( يسروا ولا تعسروا )) . ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ هو كل خصلة يرتضيها العقل ، ويقبلها الشرع ، ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ ولا تكافئ الاسفهاء بمثل سفههم ، ولا تمارهم ، واحلم عنهم ، أو لا تعمل كعملهم ، وفسرها جبريل عليه السلام بقوله : (( صل من قطعك ، وأعظ من حرمك ، واعف عمن ظلمك ، ولا تخن من خانك )) . وعن الصادق : (( أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق )) ، وليس في القرآن آبة مفسرة أجمع لمكارم الأخلاق منها ، وما سواه ينافي الحكمة ، لأن من أراد الإنصاف من الناس في معاملتهم طلب ما لا يدرك وتعب ، ويوجد عن أبي سعيد فيما أرجوا في تأويل هذه الآية قال : فتأول ذلك المسلمون بالرواية عن النبي أنه قال : (( صل من قطعك ، وأعط من منعك ، ، وأنصف من ظلمك ، واعف عمن شمتك )) ، وهذا كله من الحق ، وبالحق وللحق . وقد قال من قال من المسلمين : من عصى الله فينا ، أطنا الله فيه ، فلا يكون إلا هذا ، والله الموفق للصواب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٥٣
قوله : ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ ذكروا عن عبد الله بن الزبير قال : خذ العفو من أخلاق الناس . [ وقال مجاهد : يقول : خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تجسس ] .
وقال الحسن : خذ العفو من المؤمنين من أنفسهم ما لا يجهدهم ، يعني الصدقة . والعفو : الفضل عن نفقتك ونفقة عيالك . وكان هذا قبل أن تفرض الزكاة .
ذكرواعن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وأبداً بمن تعول ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، ولا يلوم الله على الكفاف »
وقال الكلبي : ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ أي : ما عفا من أموالهم ، وهو الفضل ، وذلك قبل أن تفرض الزكاة .
قوله : ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ أي بالمعروف ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ ﴾ أي عن المشركين . الجاهلون ها هنا المشركون . قال بعضهم : نسخها القتال .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٥٣
﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ تعبدونهم أَو تنادونهم فى مصالحكم أَو تسمونهم آلهة ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ ذكر هنا تعليلا لعدم مبالاته بهم وبشركائهم ، والفرق بين من يستحق المبالاة به ومن لا يستحقها ، وهنالك لتقريع عبدة الأَصنام فلا تكرير ، وكذا ذكر تتميماً للتعليل قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ أَيها المؤمنون الأَصنام؛ أَو أَيها المشركون ﴿ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا ﴾ دعاءَكم ﴿ وَتَرَاهُمْ ﴾ أَى ترى الأَصنام يا محمد ، ويامن يصلح للرؤية ﴿ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ بصورة الناظر إِليك فهو استعارة تبعية صورية ﴿ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ أَو إِن تدعوا المشركين إِلى الهدى لا يسمعوا دعاءَكم سماع قبول أَو تفهم ، وتراهم ينظرون بأَعينهم إِليك وهم لا يبصرونك بقلوبهم ، أَو لا يقبلون حجتك . واشتد عليه صلى الله عليه وسلم خلافهم له فنزل قوله تعالى :
﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ قال ابن أَبى الدنيا مرفوعاً : « اقبل ما تيسر من أَخلاق الناس » ، ويقال : اقبل ما تيسر من أَموال المسلمين والمشركين وأَخلاقهم وأَفعالهم وأَقوالهم التى لا تخالف الشرع ، واعذرهم ولا تستقص ولا تتجسس فيستقصوا عليك ويتجسسوا ، وتقع العداوة ، أَو خذ العفو عن المذنبين ، شبه العفو بشئ محسوس يطلب ويؤخذ ، ورمز لذلك بالأَخذ ، قال صلى الله عليه وسلم : « يا جبريل ما أَخذ العفو؟ فقال : لا أَدرى حتى أَسأَل العالم ، فرجع فقال : إِن الله تعالى أَمرك أَن تعفو عمن ظلمك ، وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك . وكان الرجل يمسك ما يكفيه ، ويتصدق بالباقى ، ولما نزلت الزكاة وجب مقدارها وترك غيره ، ولما نزل القتال وجب القتال وحل الغنائم ، وقيل : خذ العفو عن المذنبين ، والتعبير به إِغراء شديد » ، ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ المعروف ، وهو كل ما جاءَك من الله ، وما يعرف فى الشرع حسنه من مكارم الأَخلاق وترك مساويها ، وسواء فى ذلك اعتقاد وقول وفعل . وفى البخارى عن عبد الله بن الزبير : ما نزلت خذ الفعو وأمر بالعرف إِلا فى أَخلاق الناس ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ لا تجازهم على جفائهم سواء كانوا مشركين أَو موحدين ، وهذا مما لا ينسخ ﴿ وإِذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال جعفر الصادق : ليس فى القرآن آية أَجمع لمكارم الأَخلاق من هذه الآية ، وقد يصدر من ضعفاء الإِسلام وأَهل البدو جفاء . ولما نزلت الآية كما مر سأَل النبى صلى الله عليه وسلم جبريل عن معناها ، فقال : لا أَدرى حتى أَسأَل ربى ، فذهب فرجع فقال : إِن ربك أَمرك أَن تصل من قطعك ، وتعطى من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، ولما نزلت قال : يا رب كيف بالغضب؟ فنزل قوله :
﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ﴾ يا محمد ، أَو يا من يصلح للخطاب ، وعلى الأَول يكون الذين اتقوا بعد هذا المرسلين أَولى العزم ، والعموم فى الذين اتقوا أَولى ، ويجوز أَن يراد بالخطاب العموم كقوله تعالى
﴿ يا أَيها النبى إِذا طلقتم ﴾ ﴿ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ﴾ يدفعه عنك لتأكيد العموم ، والنزغ الطعن بما له حدة استعير لوسوسة الشيطان وإِغرائه ، وعلاج صرفه لك عن الحق من الأَمر بالعرف والإِعراض عن الجاهل ونحو ذلك . والمراد بالنزغ أَمر نازغ أَو ذو نزغ ، أَو نفس النزغ ، وفى هذا إِسناد إِلى المصدر ، كقولك صام الصوم برفع الصوم ، وذلك مبالغة فى كيد الشيطان على طريق العرض كأَن فعله فاعل ، وإِنما قلت على طريق العرض لأَن الآية لم تسق أَولا بالذات لذكر مبالغة الشيطان بالوسوسة ، بل سبقت لبيان أَنه يوسوس ، وللأَمر بمخالفته ، والاستعاذة بالله الالتجاء إِليه ليمنعه عن اتباعه ، فالله عالم بكل قول ، وبكل فعل ، وكل شئ ، فيسهل لك مصالحك وينتقم ممن يؤذيك ولا يحوجك إِلى الانتقام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما منكم من أَحد إِلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة » قالوا : وإِياك يا رسول الله؟ قال : وإِياى إِلا أَن الله تعالى غلبنى على قرينى من الجن فأَسلم فلا يأمرنى إِلا بالخير ، وقوله : فأَسلم بصيغة الماضى والضمير للقرين ، أَى صار مؤمناً لا يأْمرنى إِلا بالخير ، قال القاضى عياض وغيره ذلك هو المختار . ويروى بصيغة مضارع المتكلم من السلامة ، أَى أَسلم أَنا من شره ، واختاره الخطابى ، ويدل لقول عياض قوله صلى الله عليه وسلم : « فلا يأمرنى إِلا بخير » وقيل : إِن نزغ الشيطان بالنسبة إِليه صلى الله عليه وسلم مجاز عن اعتداء الغضب المقلق للنفس .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٥٣