وَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ٤٠
الرسم الإملائيّ
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
الجزء ٩الربع ٧٢ صفحة ١٨١
تفسيرها
﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ حتى لا يبقى منهم إلا مسلم أو مستسلم ، ولم توجد فيهم معصية ظاهرة يجب إنكارها ، بدليل قوله : ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴾ ويضمحل عنهم كل دين باطل ، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده ، ﴿ فَإِنِ انتَهَوْاْ ﴾ عن الكفر واسلموا ، ﴿ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ يثبتهم على إسلامهم
﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أعرضوا عن الإيمان ، ولم ينتهوا ، ﴿ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ ناصركم ومعينكم ، فيثقوا بولايته ونصرته ؛ ﴿ نِعْمَ الْمَوْلَى ﴾ لا يضيع من تولاه ، ﴿ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ لا يغلب من نصره .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٠
قوله : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي : حتى لا يكون شرك . وهذه في مشركي قريش خاصة؛ وأما من سواهم من المشركين فإذا أرادوا الجزية قبلت منهم ولم يقتلوا إذا أقروا بالجزية ، إلا من كان دخل من العرب في دين أهل الكتاب ، فإن عمر لم يقتلهم ، وقبِل منهم الضِّعف مما يؤخذ من المسلمين من مواشيهم؛ وهو قول العامة . وكان علي يرى قتلهم .
قوله : ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ يعني الإسلام . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » .
قوله : ﴿ فَإِنِ انتَهَوْا ﴾ أي عن كفرهم ﴿ فَإِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ . قال الكلبي فإن انتهوا عن القتال ، وهو واحد . ﴿ وَإِن تَوَلَّوْا ﴾ أي : وإن أبو إلا القتال ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله مولاكم ﴾ أي وليّكم ﴿ نِعْمَ المَوْلَى ﴾ أي نعم الولي ﴿ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ أي لأوليائه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٠
﴿ وَإِنْ تولَّوْا ﴾ أَعرضوا عن الإِسلام بعد قتالكم إِياهم فلا يكرر مع قوله : وإِن يعودوا ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ ﴾ أَى لا تخافوهم لأَن الله مولاكم ، أَى يتولى أَمركم ، أَو كناية على أَن لا يخافوهم ، أَو يبقى على ظاهره على أَن المولى بمعنى الناصر فثقوا به ﴿ نِعْمَ الْمَوْلَى ﴾ هو لا يذل من تولاه ولا يهون ﴿ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ هو لا يغلب من نصره ، وهو ينصركم فلا تغلبون ، ولما كان القتال يستدعى فنما قال :
﴿ وَاعْلمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ﴾ رابط الموصول محذوف أَى غنمتموه ﴿ مِنْ شَىْءٍ ﴾ خيطا أَو إِبرة أَو نعلا أَو نحو ذلك أَو أَقل أَو أَكثر ﴿ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ ﴾ أَى فواجب ثبوت خمسه للله تعالى ، أَو فالواجب ثبوت خمسه لله تعالى ، أَو فالحكم أَن لله خمسه أَى ثبوت خمسه لله تعالى ، والفئ ما كان بلا قتال ، والغنيمة ما بالقتال ، وقيل : الفئ أَعم ، لأَن كلا يرجع ، وفاءَ رجع ، وقيل : مترادفان ، ذكر الله تعظيما لشأن الحكم والرسول ولا يعزل لله عز وجل شئ بل يعزل لرسوله وكل ما فى الدنيا والآخرة لله تعالى ، وذلك كما فى قوله تعالى ﴿ الله ورسوله أَحق أَن يرضوه ﴾ ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم « مالى مما أَفاء الله عليكم إِلا خمس الخمس » فلو كان لله تعالى سهم على حدة لكان ذلك السهم سدس خمس المغنوم لا خمسه ، ولكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم السدس لا الخمس ، وذلك مذهب الجمهور ، وقال أَبو العالية : لله نصيب ، وذلك فيما غنم ، أَى أُخذ قهرًا ومجاهرة ، وأَما ما أُخذ من دار الحرب اختلاسا أَو سرقة فهو لمن أَخذه واحداً فصاعدا لا يخمس ، وإِن دخلوا للاختلاس بإِذنه فالصحيح أَن يخمس لأَن إِذنه كالإِمداد لهم ، وقيل : يخمس ولو دخلوا بلا إِذن منه ، وسلب المقتول لقاتله إِن قال الإِمام من قتل قتيلا فله سلبه ، وقيل : له ولو لم يقل ، ولو كان القاتل صبيا أَو عبدا أَو امرأَة لعموم حديث من قتل قتيلا فله سلبه على أَنه للعموم والاستمرار ، والصحيح أَن السلب غنيمة إِلا إِن قال : من قتل قتيلا فله سلبه ، قال صلى الله عليه وسلم لحبيب بن أَبى سلمة : « ليس لك من سلب قتيلك إِلا ما أَذن لك فيه إِمامك » ﴿ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى ﴾ أَعاد الله اللام لئلا يتوهم اشتراك ذوى القربى فى سهمه صلى الله عليه وسلم لمزيد اتصالهم به صلى الله عليه وسلم ﴿ وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ وأَربعة الأَخماس الباقية للغانمين ، قال صلى الله عليه وسلم : « للفارس ولفرسه سهمان » ، رواه عمر ، وعن أَبى حنيفة : للفارس سهمان وأَما الراجل فله سهم ، وعلى قول أَبى العالية يصرف سهم الله للكعبة وهو سدس خمس المغنوم ، قيل : القسمة فى الخمس على عهده صلى الله عليه وسلم : سهم له صلى الله عليه وسلم وسهم لذوى القربى وسهم للثلاثة الباقين ، وسقط سهمه بعده صلى الله عليه وسلم وسهم قرابته فيعطون بالفقر ، وتقدم فقراؤهم ولا حق لأَغنيائهم ، وإِنما أَعطاهم فى حياته للنصرة لا للقرابة ، وكان عمر بن عبد العزيز يخص ولد فاطمة كل عام باثنى عشر أَلف دينار سوى ما يعطى غيرهم من ذوى القربى ، وكان الصديق يسوى ، وعمر بحسب ما يرى ، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم يأخذ قبضة ويجعلها للكعبة ، وقيل : إِن قربت وإِلا فللمسجد الأَقرب ، ثم يقسم خمسة الأَسداس الباقية على خمسة ، وقيل : سهم الله لبيت المال ، وقيل : مضموم إِلى سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته يصرف إِلى ما كان يصرفه فى حياته من مصالح المسلمين ، كما فعل أَبو بكر وعمر رضى الله عنهما لأَنه لم يخلفه أَحد فى رسالته ، وقيل : إِلى الإِمام لأَنه نائبه ، وقيل : إِلى ذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، وقال أَبو حنيفة : سقط سهمه وسهم ذوى القربى بوفاته صلى الله عليه وسلم ، ورجعا إِلى اليتامى والمساكين وابن السبيل ، وقال مالك : يصرف الإِمام سهم الرسول حيث شاءَ ، والمراد بالقرى قرابته صلى الله عليه وسلم ، وذوو قرابته بنو هاشم وبنو المطلب وبنو نوفل وبنو عبد شمس ، أَما هاشم فولده بنو عبد المطلب وأَسد ، ولعبد المطلب عشرة بنين منهم عبد الله وأَبو طالب ، وحمزة والعباس وأَبو لهب والحارث والزبير ، والمراد بذوى القربى منهم بنو هاشم وبنو المطلب ، ولا شئَ لبنى نوفل ولا لبنى عبد شمس ، وكان عثمان بن عفان من بنى عبد شمس ، وجبير بن مطعم من بنى نوفل ، وقسم صلى الله عليه وسلم سهم ذوى القربى بين بين بنى هاشم وبنى المطلب ، ولم يعط أَحداً من بنى عبد شمس ولا من بنى نوفل شيئاً ، فقال له عثمان وجبير : هؤلاء إِخوانك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذى جعلك الله منهم ، ولكن أَعطيت إِخواننا بنى المطلب دوننا ، ونحن وهم بمنزلة ، فقال صلى الله عليه وسلم :
« إِنهم لم يفارقونا فى جاهلية ولا إِسلام » وشبك أَصابعه ، أَى لم يفارقهم بنو هاشم فى النصرة فى الجاهلية ولا فى الإِسلام ، وقيل : ذو القربى بنو هاشم ، وقيل : قريش كلهم ، والغنى والفقير فيه سواء لأَنه صلى الله عليه وسلم ، والخلفاءَ من بعده يعطون العباس مع أَنه غنى ، وقيل : مخصوص بفقرائهم كسهم ابن السبيل وهو المسافر البعيد عن ماله ، وقيل : الخمس كله لهم على أَن اليتامى والمساكين وابن السبيل منهم ، والعطف تخصيص والآية نزلت ببدر ، وقيل : الخمس فى غزوة بنى قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أَيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة وكانت واقعة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان ، وهو أَول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم لإِعلاء كلمة الحق والدين ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ ﴾ فاعملوا بما علمتم من أَن لكم أَربعة أَخماس واقنعوا بها ولا تنقصوا من الخمس الذى لهؤلاء شيئاً ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا ﴾ عطف على لفظ الجلالة أَى وبما أَنزلنا ﴿ عَلَى عَبْدِنَا ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم من النصر والإِمداد بالملائكة والآيات من قوله
﴿ يسأَلونك عن الأَنفال ﴾ إِلخ . . إِذ نزلت يوم بدر كما قال ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ ﴾ يوم بدر ، فرق فيه بين الحق والباطل بإِنجاز نصر المؤمنين وإِخماد الكفار ﴿ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَان ﴾ بدل من يوم الفرقان ، أَو بيان فهو يوم بدر التقى فيه جمع المؤمنين وجمع الكفار ﴿ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ومن قدرته إِمدادكم بالملائكة ونصر قلتكم على كثرتهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٠