سورة الأنفال · الآية ٤٤ من ٧٥

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ یُرِیكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَیۡتُمۡ فِیۤ أَعۡیُنِكُمۡ قَلِیلࣰا وَیُقَلِّلُكُمۡ فِیۤ أَعۡیُنِهِمۡ لِیَقۡضِیَ ٱللَّهُ أَمۡرࣰا كَانَ مَفۡعُولࣰاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ٤٤
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

الجزء ١٠الربع ٧٣ صفحة ١٨٢

تفسيرها

[سورة الأنفال — آية 44]

﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ ﴾ وقت اللقاء ، ﴿ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ﴾ وإنما قللهم في أعيتهم تصديقا لرؤيا رسول الله  ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا ، ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ عينهم ، قيل : حتى قال قائل منهم . إنما هم أكلة جزور ، ويجوز في حكمة الله أن يبصروا الكثير قليلا ، والكثير من الأمور صغيرا ، والعظيم حقيرا (لعله) من أمر الدين والدنيا ، وكذلك بالعكس حتى ينفذ علمه في خلقه ، فيثبت الحق ، وتضمحل الوهميات ، وإلا فمتى هان عذاب الله للكافرين معهم ، (لعله منهم ) ، في جهنم إلا كما قال : ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) وكذل ثواب الله في قلب من كفر ، (لعله) تحقير مع تعظيم الله له ، فلا رادّ لقضائه ، يحكم في خلقه بما يشاء قسطا وعدلا ، وانظر في تعظيم الناس للدنيا مع حقارتها عند الله ، وهذا حال يتسع فيه النظر والفكر لأولي الألباب . ﴿ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ وهذا مما يعظم الخوف في قلوب أولياء الله ، خوفا منهم من تقلب الأحوال بهم ، لأن السعيد في علم الله سعيد لا محال ، والشقي في علم الله شقي لا محال ، ﴿ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ﴾ فيحكم فيها ما يريد .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٤

[سورة الأنفال — آية 44]

قوله : ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ﴾ . قال الكلبي إن المسلمين لما عاينوا المشركين يوم بدر رأوهم قليلاً فصدقوا رؤيا رسول الله . وقلّل الله المسلمين في أعين المشركين ، فاجترأ المؤمنون على المشركين لقلتهم في أعينهم ، واجترأ المشركون على المؤمنين لقلتهم في أعينهم . ﴿ لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ أي : فيه نصركم والنعمة عليكم . ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٤

[سورة الأنفال — آية 44]

﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ﴾ فى اليقظة حين التقيتم قبل التحام القتال ، أَى واذكروا إِذ ﴿ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ﴾ الإِراءَة بصرية تعدت لاثنين للهمزة وقليلا حال من الهاء بخلاف ما تقدم فإِنها حلمية تتعدى إِلى ثلاثة للهمزة رآهم قليلا لينشطوا وتصديق رؤياه صلى الله عليه وسلم حتى قال ابن مسعود لمن يليه : أَتراهم سبعين؟ فقال : أَراهم مائة ، وهم فى نفس الأَمر أَلف ، كف الله بصرهم عن رؤية أَكثرهم ، أَو رأَوا من معهم فظهر لهم أَن المشركين وهم أَلف قليل بالنسبة ، والمشركون لم يروا الملائكة فقالوا أَن المؤمنين قليل ، أَو كان الكثير قليلا بمحض خلق الله والقليل كثير بمحض خلقه كما خلق فى عين الأَحول رؤية الواحد اثنين ، ومما قواهم الله به أَن الله تعالى أَراه فى منامه المذكور مصارع القوم ، هذا مصرع أَبى جهل ، هذا مصرع فلان ، هذا مصرع فلان ، فأَخبر المؤمنين ، والمصارع لحكاية الحال الماضية لتشاهد ، والمشاهدة أَقوى ، وكذا فى قوله : ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ ﴾ عطفاً على يريكم أَو على التقيتم ، قلل المسلمين فى أَعين الكفار ليجيئوا فتقتلوهم حتى قال أَبو جهل إِن هؤلاء المؤمنين أَكلة جزور بفتح الهمزة والكاف ، أَى عدد يكفيهم فى الأَكل بعير لقلتهم ﴿ لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً ﴾ هذا علة للتقليل فما تقدم عله للجمع بين الفريقين ، أَو الأَمر هناك التقاءِ الفريقين على وجه كون نصر المؤمنين معجزة له صلى الله عليه وسلم ، وهنا إِعزاز الإِسلام على الشرك فلا تكرير ، وذلك قبل التحام القتال ، وأَما بعده فرأَوا المسلمين مثليهم ثم رأَوهم سبعة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر بالملائكة الذين أَمدهم الله ، ﴿ وَإِلَى اللهِ ﴾ لا إِلى غيره ﴿ تُرْجَعُ ﴾ ترد ﴿ الأُمُورُ ﴾ الأَحوال قليلها وجليلها : من تغليب القليل على الكثير وتقليل الكثير والثواب والعقاب وغير ذلك ، كما ترجع إِليه الأَجسام ، وفى ذلك تنبيه على أَنه لا يجوز قصد أَحوال الدنيا لذاتها بل يجب أَن تقصد زاداً لدار المعاد .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٤