وَإِذۡ زَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡیَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّی جَارࣱ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَاۤءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ وَقَالَ إِنِّی بَرِیۤءࣱ مِّنكُمۡ إِنِّیۤ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ٤٨
الرسم الإملائيّ
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
الجزء ١٠الربع ٧٣ صفحة ١٨٣
تفسيرها
﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ ﴾ تلك مقالة نفسية ، والمعنى أنه : ألقى في روعهم الظن الكاذب ، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ، ولا يطاقون لكثرة عددهم وعُددهم ، وأوهمهم أن إتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم ، بدليل قوله : ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ ﴾ مع ظهور الحق وزهوق الباطل ، ﴿ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ أي : بطل كيده ،وعاد ما خيل لهم أنه مجيرهم بسبب هلاكهم ، ﴿ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ ﴾ أي : تبرأ منهم ، وخاف عليهم ، وأيس من حالهم [ لما ] رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة ، ورؤيته للإمداد بالملائكة (لعله) إما بالبصر وإما بالبصيرة ، أو بهما جميعا ، وهم (لعله) معدمون من رؤية الحالين بإتباعهم إياه ، ﴿ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لمن كفر في الدنيا ولآخرة .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٨
قوله : ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ الله وَالله شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ .
قال الكلبي : إن المشركين لما خرجوا من مكة إلى بدر أتاهم الخبر ، وهم بالجحفة قبل أن يصلوا إلى بدر ، أن عيرهم قد نجت؛ فأراد القوم الرجوع . فأتاهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال : يا قوم ، لا ترجعوا حتى تستأصلوهم ، فإنكم كثير ، وعدوكم قليل ، فتأمن عيركم . وإني جار لكم على بني كنانة ألا تمروا على حي من بني كنانة إلا أمدوكم بالخيل والرجال والسلاح . فمضوا كما أمرهم للذي أراد الله من هلاكهم .
فالتقوا هم والمسلمون ببدر؛ فنزلت الملائكة مع المسلمين [ في صف ] ، وإبليس في صف المشركين في صورة سراقة بن مالك . فلما نظر إبليس إلى الملائكة مع المسلمين نكص على عقبيه . وأخذ الحارث بن هشام المخزومي بيده فقال : يا سراقة ، على هذه الحال تخذلنا؟ فقال : إني أرى ما لا ترون ، أي الملائكة ، إني أخاف الله والله شديد العقاب . فقال له الحارث : ألا كان هذا القول أمس . فلما رأى إبليس أن المؤمنين أقبلوا إليهم ، دفع في صدر الحارث فخرّ ، وانطلق إبليس وانهزم المشركون .
فلما قدموا مكة قالوا : إنما انهزم بالناس سراقة بن مالك ونقض الصف ، ثم انهزم الناس . فبلغ ذلك سُرَاقة ، فقدم عليهم مكة فقال : بلغني أنكم تزعمون أني انهزمت بالناس؛ فوالذي يحلف به سراقة ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فجعلوا يذكّرونه : أما أتيتنا يوم كذا وكذا ، وقلت لنا كذا وكذا؟ فجعل يحلف لهم . فلما أسلموا علموا أنه الشيطان .
ذكروا أن مجاهداً قال : هو أبو جهل وأصحابه يوم بدر .
ذكر بعضهم قال : كان الذين قاتلوا نبي الله يوم بدر خرجوا ولهم بغي وفخر . وقد قيل لهم يومئذٍ : ارجعوا فقد انطلقت عيركم ، وقد ظفرتم . فقالوا : لا والله حتى يبلغ أهل الحجاز مسيرُنا وعددُنا .
وأما قوله : ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ ﴾ أي إنه ليس أحد من الناس يغلبكم اليوم في تفسير الحسن . ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ أي معكم . وقوله : ﴿ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ أي رجع على عقبيه هارباً . وقوله : ﴿ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ ﴾ إِنِّي أَخَافُ الله أي أنه رأى جبريل يزع الملائكة . وقال الحسن : رأى الملائكة تضرب وجوه المشركين . وقال بعضهم : ذكر لنا أن الشيطان رأى جبريل تنزل معه الملائكة .
قوله : ﴿ إِنِّيَ أَخَافُ الله ﴾ قال بعضهم : كذب ، ولكن علم أن لا طاقة لهم بهم . قال الكلبي : أما قوله : ﴿ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ ﴾ فصدق . وأما قوله : ﴿ إِنِّي أَخَافُ الله ﴾ فكذب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٨
﴿ وَإِذْ زَيَّنَ ﴾ واذكروا بواو الجمع ليطابق قوله ولا تكونوا أَو اذكر يا محمد ، وتذكيره تذكيرا لهم . . والتزيين بالوسوسة فى الصدور كما هو المتبادر والغالب من الشياطين ﴿ لَهُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ إِبليس ﴿ أَعْمَالَهُمْ ﴾ فى إِبطال دين الله ، وإِهلاك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وذلك التزيين تشجيعهم على قتال المسلمين بأَن المسلمين ضعاف قليل فاستعدوا لهم بالرجال والنفقة ، وذلك لما خافوا أَن يجيئهم أَعداؤهم بنو بكر من كنانة فيخلفوهم فى مكة على أَولادهم ونسائهم وأَموالهم ، أَو يقاتلوهم من خلفهم إِذا نشب القتال بينهم وبين المسلمين ﴿ وَقَالَ ﴾ بالوسوسة ، أَو بلسانه فى صورة رجل وهو أَولى هنا ويجوز صرف التزيين إِلى هذا بحمله على اللسان ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ خبر لا ، وليس متعلقا بقوله غالب ولا حال من الضمير فيه إِذ لو كان ذلك لنون غالب لشبهه بالمضاف كما فى قولك لا حول عن معاصى الله إِلا بعصمة من الله ، ولا قوة على طاعة الله إِلا بعون من الله بتنوين حول وقوة ، لتعلق عن وعلى بهما ، وقيل بالتعليق باسم لا فى مثل ذلك ، وعدم التنوين ليس للبناءِ ، بل تشبيه بالمضاف ، وعليه البغداديون ، ويجوز كون التزيين والقول واحدا ، فيكون العطف للتفسير كما قيل ﴿ إِنما أَشكو بثى وحزنى إِلى الله ﴾ ﴿ الْيَوْمَ ﴾ متعلق بلكم أَو بمتعلقه ﴿ مِنَ النَّاسِ ﴾ لقوتكم وكثرتكم فلا يغلبكم المؤمنون ﴿ وَإِنِّى جَارٌ لَكُمْ ﴾ مانع أَن تجيئكم بنو بكر ، وكافل لكم أَلاَّ يأتوكم ، وإِن أَتوا يأتوا لكم لا عليكم ، أَتاهم فى سورة سراقة بن مالك من تلك الجهة جهة بنى بكر فى جند من الشياطين ومعه راية ، وكانوا يقولون : اللهم انصر أَهدى الفئتين وأَفضل الدينين ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ ﴾ رأَت كل من فئة المسلمين وفئة المشركين الأُخرى ، وحضرتا للقتال ومعناه تلاقت لأَنه نكص عند التلاقى لا عند رؤية كل واحدة الأُخرى ، وقيل عند الرؤية على أَنه رأَى الملائكة فى جهة المؤمنين ، على وجه الإِعانة قبل التلاقى ولا خفاءَ فى هذا ﴿ نكَصَ ﴾ رجع ﴿ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ فى عقبيه أَى خلفه ، وإِن قلنا أَن أَصل النكوص الرجوع خلف لا مطلق الرجوع واستعمل على أَصله كان قوله على عقبيه تجريدا وهو أَن يجرد اللفظ عن بعض معناه فيعبر عن ذلك البعض بلفظ آخر ، أَو يبقى على أَصله فيكون على عقبيه توكيدا ﴿ وَقَالَ إِنِّى بَرِئٌ مِنْكُمْ ﴾ مخالف لكم ، لا تطمعوا أَن أَنفعكم ، وكانت يده فى يد الحارث بن هشام وهو فى صورة سراقة رضى الله عن سراقة وإِسلامه بعد ، ولما رأَى الملائكة تنزل على صورة إِمداد المؤمنين نزع يده ونكص ، فقال له : إِلى أَين أَتخذلنا فى هذه الحالة ، فقال : إِنى برئٌ منكم ﴿ إِنِّى أَرَى مَالاَ تَرَوْنَ ﴾ من نزول الملائكة لقتالكم ودفع فى صدر الحارث وانطلق ، ولما انهزموا ودخلوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، وبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما علمت بمسيركم حتى سمعت بهزيمتكم ، ولما أَسلم من أَسلم أَيقنوا أَن الشيطان تصور بصورته ، ﴿ إِنِّى أَخَافُ اللهَ ﴾ عليكم أَن يبطش بكم ويبطش بى بطشة فى الدنيا قبل بطشة الآخرة الآتية إِذا قامت القيامة ، مثل أَن يقبضه جبريل فيعذبه ، قال بعض : وليس يقول لهم : إِنى أَخاف على نفسى لأَنهم لا يعذرونه بذلك ، وليس كذلك فإِنه يقوله بطريق أَن يقول : الأَمر شديد لا أطيقه إِلا بالفرار ، فكيف أَنتم؟ روى مالك فى الموطأَ بسنده : ما رؤى الشيطان يوما أَصغر ولا أَحقر ولا أَدحر ولا أَغيظ منه فى يوم عرفة لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى عن الذنوب العظام إِلا ما رؤى يوم بدر ، فإِنه قد رأَى جبريل عليه السلام يزع الملائكة ، وإِما أَن يقال : المعنى أَخاف أَن تقوم الساعة ، وأَن هذا الوقت هو الوقت الموعود لى وهو يوم البعث فيمنع لعلمه ، أَن يوم بدر ليس يوم القيامة ، ويبعد أَن يقال أَخاف أَن أَعصى الله لأَنه لا يخافها ، ولأَنه لا يليق أَن يقوله للكفرة ، ولو أَجاز ذلك قتادة ، وكان والعياذ بالله منه متلذذا بالمعصية وإِغراء الناس كتلذذ الملائكة بالطاعة ، فهو يغويهم ولا يمل ولو فى آخر الدنيا المتصل بقيام الساعة مع قرب عذابه جدا ﴿ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ هذا آخر كلامه والعياذ بالله من معتذرا به إِليهم ، أَو هو من كلام الله عز وجل بين بن سبب خوف اللعين حيث إِنه علم ذلك .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٠٨