سورة الأنفال · الآية ٦٧ من ٧٥

‹ السورة السابقة
مَا كَانَ لِنَبِیٍّ أَن یَكُونَ لَهُۥۤ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ یُثۡخِنَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِیدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡیَا وَٱللَّهُ یُرِیدُ ٱلۡءَاخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ٦٧
الرسم الإملائيّ

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

الجزء ١٠الربع ٧٤ صفحة ١٨٥

تفسيرها

[سورة الأنفال — آية 67]

﴿ مَا كَانَ لِنَبِيّ ﴾ ما صح له ولا استقام ﴿ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ﴾ الإثخان : كثرة القتل والمبالغة فيه ، من الثخانة : وهي الغلظ والكثافة ، يعني : حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله ، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر ، ثم الأسر بعد ذلك . روي أن رسول الله  أوتي بسبعين أسيرا ، فاستشار أبا بكر فيهم ، فقال : (( قومك وأهلك ، استبقهم لعل الله يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك )) . وقال عمر : (( كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناعنقاقهم ( لعله أعناقهم ) ، فإن هؤلاء أئمة الكفر ، وإن الله أغناك عن الفداء )) ؛ ثم قال لهم رسول الله  : (( إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم )) ، واستشهد منكم بعدبهم [كذا] ، فقالوا : (( بل نأخذ الفداء )) ؛ فاستشهدوا بأحد ، فلما أخذوا الفداء نزلت الآية : ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ متاعها ، يعني : الفداء سماه عرضا لقلة بقائه وسرعة فنائه ، لأنه يزول كما عرض ؛ ﴿ وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ أي : ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل ، ﴿ وَاللّهُ عَزِيزٌ ﴾ يقهر الأعداء ، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يعلم ما يليق لكل حال ، ويخصه بها كما أمر بالإثخان ، ومنع غل الفداء حين كانت الشوكة للمشركين ، وخير بينه وبين المن ، لما تحولت الحال وصار الغلبة للمؤمنين .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٢٧

[سورة الأنفال — آية 67]

قوله : ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَالله يُرِيدُ الأَخِرَةَ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ . كان هذا في أسارى بدر .

قال بعضهم : كان أبو بكر أحب أن يقبل منهم الفداء ، وأراد عمر أن يُقتَلُوا . فأنزل الله هذه الآية ثم قال : ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقال الكلبي : ما كان لنبي قبلك يا محمد أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . قال : لولا كتاب من الله سبق أنكم الذين تأكلون الغنائم لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم .

وقال الحسن : يقول : فأخذتم الفداء من الأُسارى في أول وقعة كانت في المشركين من قبل أن تثخنوا في الأرض . وقال الحسن : لم يكن أوحِيَ إلى النبي في ذلك بشيء فاستشار المسلمين فأجمع رأيهم على لفداء .

ذكر بعضهم قال : كان أراد أصحاب نبي الله يومئذٍ الفداء ، ففادوا أسارى بدر يومئذٍ بأربعة آلاف أربعة آلاف . وما أثخن نبي الله يومئذٍ في الأرض .

وقال بعضهم في قوله : ﴿ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ ﴾ أي سبق لهم من الله الخير ، وسبق لهم أنهم استُحلَّ لهم الغنائم .

وقال الحسن : لولا كتاب من الله سبق أن لا يعذب أهل بدر لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية » ، فقالت حفصة بلى ، فانتهرها ، في حديث بعضهم ، فقالت : أليس يقول الله : ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ فقال : أوليس قال : ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيِهَا جِثِيّاً ﴾ [ مريم : 71-72 ] .

ذكروا عن عكرمة قال : ما أُحلّت الغنيمة قبلكم ولا حُرّمت الخمر على أحد قبلكم . وقال بعضهم : لم تحل الغنيمة إلا لهذه الأمة؛ كانت تجمع فتنزل عليها نار من السماء فتأكلها .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٢٧

[سورة الأنفال — آية 67]

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ حثهم ﴿ عَلَى الْقِتَالِ ﴾ قتال الكفرة ، أَى أَزل حرضهم وهو الإِشراف على الهلاك بالقتال ، إِذ لو لم يقاتلوا لأَشرفوا عليه ، قال الله عز وجل ﴿ حتى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين ﴾ والإِزالة من معانى التفعيل كما يقال : قذَّيته أَى أَزلت قذاه ، بتشديد ذال قذيته ، ﴿ إِنْ يَكُن مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُون ﴾ بقوة وشجاعة ﴿ يَغْلِبُوا مِائَتيْنِ ﴾ من الذين كفروا الواحد بعشرة ، ذكر هنا قوله صابرون ولم يذكره فى قوله ﴿ وإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِائَة ﴾ أَى صابرة ولم يذكر الذين كفروا وذكره فى قوله ﴿ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وذلك احتباك وهو فصاحة عظيمة وهى أَن يذكر فى كل من الكلمتين ما حذف من الآخر ، ولا يحل للواحد الفرار من عشرة رجال كافرين يصبر فيغلبهم ، وله الفرار من أَحد عشر ، واللفظ إِخبار والمراد أَمر ، أَى اثبت يا واحد لعشرة ، أَو إِخبار لفظا ومعنى ، أَى حكم الشرع لزوم ثبوت الواحد للعشرة ، وعلى الوجهين تكون الآية حكما ، والحكم ينسخ فينسخ كون ذلك شرعا بما بعد ، فكان الشرع أَن لا يلزم ثبوت المسلم لثلاثة من الكفار ، وإِنما الخبر الذى لا ينسخ هو مالا حكم فيه ، كما لو كان المعنى أَن الله عز وجل أَعطى المؤمن قوة عشرة من الكفار فلا وجه لنسخه إِلا على معنى أَن الله أَزال بعد ذلك تلك القوة وردها إِلى قوة رجلين من الكفار ﴿ بِأَنَّهُمْ قوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ لأَنهم قوم لا يفقهون أَمر الدنيا والآخرة فليسوا يقاتلون لدين الله ولا رجاء لثواب الآخرة الدائم فيرغبوا ، ولا يرجون البعث فشحوا على الحياة الدنيا إِذ ليس لهم عندهم إِلا هى ونعيمها فلا يبالغون فى القتال بخلاف من اعتقد السعادة فى الآخرة ويقاتل رغبة فى الهل عز وجل ، فتكون الآية إِخبارا بضعف المشركين فلا يخافهم المؤمنون ، واختير أَن المعنى استحقاق الكفرة للقتل لأَنهم لا يفقهون فاقهروهم بالقتل ، وهو متعلق يبغلبوا ، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة لما كثر المؤمنون ، وقيل : نسخ بعد مدة قبل كثرتهم ، وتضرعوا إِلى الله فنسخ ، واختار مكى أَن ذلك تخفيف لا نسخ ، وهو رجل أندلسى جاور مكة فنسب إِليها ، وعلى النسخ إِن قاتل واحد عشرة فقتل فلا إِثم عليه لأَنه نسخ الوجوب ، وعلى أَنه تخفيف غير نسخ يأثم ، كذا قيل . قلت : لا إِثم لأَنه خفف له عن الوجوب ولم يحرم عليه مقابلتها ، فإِنه إِذا ترك الوجوب بقى الجواز بقوله : ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللُ عَنْكُمْ وَعلِمَ ﴾ لعلم الله تعلق بالشئِ بلا أَول ، قبل وجوده وحال وجوده وبعد عدمه ﴿ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ﴾ حادثا لاعتماد كل على الآخر ، فالضعف قلبى ، وقيل ضعفا فى الأَبدان ، وقيل ضعف البصيرة ، إِذ حدث قوم فى الإِسلام ولم يحسنوه ، وقيل ضعف فى رأى الحرب ، ولم يكن الضعف من قبل فلا يتصف بأَنه علم أَنه موجود بل علم أَنه سيوجد ﴿ فَإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِّائةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ الواحد باثنين ويجوز له الفرار لثلاثة وإِن زال سلاحه فر ولو لواحد .

﴿ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ ﴾ صابرون ﴿ يغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ ﴾ بإِرادته وذلك أَيضا إِخبار بمعنى الأَمر ، أَو حقيقة كما مر ، وقوله ﴿ إِن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ وقوله ﴿ وإِن يكن منكم مائة صابرة ﴾ يغنى عن قوله : وإِن يكن منكم أَلف يغلبوا أَلفين ، ووجه ذكرهما أَنه واقعة حال ، فإشنه صلى الله عليه وسلم يبعث السرية وما ينقص عددها عن العشرين ولا تزيد على المائة ، وإِن ذلك دلالة على عدم تفاوت القلة والكثرة ، فإِن العشرين قد لا تغلب المائتين ، ولم يذكر فى جملتى التخفيف قيد الكفر اكتفاء بذكره قبل ، وذكر فى التخفيف بإِذن الله وهو قيد لهما ﴿ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ عن الشهوات والمعاصى وعلى الشدائد فى دين الله بالنصر والتوفيق والثواب ، روى أَن المسلمين ثلاثة آلاف فى غزوة مؤتة صبروا لمائتى أَلف من المشركين : مائة أَلف من الروم ومائة أَلف من المستعربة لخم وجذام ، والأَفضل صبر الواحد لأَحد عشر فصاعدا ، وصبر الواحد لثلاثة فصاعدا ، ولزوم ثبوت الواحد للعشرة يوم بدر ونسخ بعده ، قال المهاجرون : يا ربنا نحن جياع وعدونا شباع . ونحن فى غربة وعدونا فى أَهليهم ، وأُخرجنا من ديارنا وأَموالنا وعدونا فى ديارهم وأَموالهم . وقال الأَنصار : شغلنا بعدونا وأنسينا إِخواننا فنزل التخفيف . والصبر قبل التخفيف وبعده واجب على الحر والعبد . ولما أَخذوا الفداءَ من أَسارى بدر بلا إِذن من الله وإِنما َمرهم الله عز وجل بالقتال والقتل لكل من قدر عليه لا بالأَسر ولا بالفداءِ نزل قوله تعالى :

﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ ﴾ من الأَنبياءِ ، ويجوز أن يراد نبينا صلى الله عليه وسلم فنكر للتعظيم ، ولئلا يواجه بالعتاب ، ويدل له قراءَة أَبى الدرداء وأَبى حيوة « ما كان للنبى » بأَل ، إِلا أَنه يحتمل أَن يكون للاستغراق وعلى وجه الكلية ، أَو للجنس ، والعموم أَولى كما هو ظاهر قراءَة الجمهور ، وقدر بعض لأَصحاب نبى ، أَو لأَصحاب النبى ، لأَن ذلك المنفى لا يصدر عن نبى ، فيجاب بأَنه يخاطب النبى بما فعل قومه كأَنه منهم ﴿ أَنْ يَكُونَ لَهُ ﴾ من أَعدائه ﴿ أَسْرَى ﴾ فضلا عن أَن يطلب الفداءَ أَو يقبله ، جمع أَسير أَى مسلوب القوة ، والأَسر القوة ، أَو مربوط بالأَسر وهو الحبل ، ومن شأن المأخوذ َن يربط به ﴿ حَتَّا يُثخِنَ فِى الأَرْضِ ﴾ يوقع الثخانة فيها عليها بكثرة القتلى كأَنها لكثرتها ثقلت على الأَرض ، أَثخنه المرض أَثقله ، وأَيضا الثخين الغليظ الصلب ، ومن شأنه الثقل ، أَو المعنى حتى يقوى ويشتد ويغلب عدوه فيعز الإِسلام ويذلكا لكفر وأَهله ، فأَثخن للصيرورة ، أَى صار ثخينا ، أَى غليظا بالمبالغة فى قتل الأَعداءِ ، أَو كثرة القتل توجب قوة الرهبة فعبر عنها بسببها وهو الإثخان ، أَو استعمل الثخن فى لازم الغلظة وهو القوة ، أَو شبه المبالغة فى القتل بالثخانة لجامع الشدة فى كل ، وذكر الأَرض للتعظيم .

وفى الأُصول قول بأَن تعميم الأَمكنة تعميم للأَزمنة ، أَو مفعول يثخن محذوف ، أَى يثخن الكفار كما قال : ﴿ حتى إِذا أَثخنتموهم ﴾ . أَو أَكثرتم فيها الجراح ، فضعفوا بالقتل شدد الله على آخذى الفداءِ عن الأَسرى بالاستشهاد بغيره صلى الله عليه وسلم من الأَنبياءِ بأَنهم أمروا بإِكثار القتل وترك الأَسر وبعد ذلك يجمعون ما حصل فتنزل نار من السماءِ وتحرقه غير بنى آدم والحيوان ، وزاد تشديدا بقوله تعالى ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ قال صلى الله عليه وسلم : « الدنيا عرض حاضر » ﴿ وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ تريدون أَيها المؤمنون مال الدنيا العارض الذى لا يثبت بل يسرع زواله فأَخذتم الفداءَ ، والله يرضى لكم ثواب الآخرة الذى لا يزول ، وهو يحصل بقتلهم ، أَو يرضى لكم سبب نيل ثواب الآخرة ، وهو إِعزاز دينه بقتل الكفرة فعبر عن الرضى بالإِرادة للمشاكلة فلا يشكل علينا بأَن إِرادة الله لا تتخلف فإِن الإِرادة التى لا تتخلف هى التى بمعنى القضاء ، وإِن أَراد فى الخطاب السعداءَ فالإِرادة على أَصلها من عدم التخلف ولكن الظاهر التعميم لا بقيد السعادة ﴿ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فهو يعز أَولياءَه ويذل أَعداءَه ، ويحكم بما يليق من تحريم الفداء قبل الإِثخان ، قيل : ولما قوى الإِسلام وضعف الكفر نسخ تحريم الفداء بقوله تعالى ﴿ فإِما منا بعد وإِما فداء ﴾ وبقوله ﴿ لولا كتاب من الله سبق ﴾ وقوله ﴿ فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ﴾ قلت : لا نسخ فى ذلك لأَن معنى قوله عز وجل ﴿ لولا كتاب من الله ﴾ أَنه عز وجل قضى أَلا يمسكم عذاب عظيم فى ذلك الفداء مع أَنكم أَخطأتم فيه ، ومعنى ﴿ فكلوا مما غنمتم ﴾ كلوا من سائر المغانم ولا تقصدوا الأَسر والفداءَ ، ولو سامحكم الله تعالى فى ذلك الفداء الواقع ، وفى قوله ﴿ حتى يثخن ﴾ وقوله ﴿ حتى إِذا أَثخنتموهم ﴾ جواز الأَسر والفداء بعد الإِثخان .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٢٧