سورة الأنفال · الآية ٧٣ من ٧٥

‹ السورة السابقة
وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادࣱ كَبِیرࣱ٧٣
الرسم الإملائيّ

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ

الجزء ١٠الربع ٧٤ صفحة ١٨٦

تفسيرها

[سورة الأنفال — آية 73]

﴿ وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ معناه نهى المسلمين عن موالاة الكفار ، وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم ، وإن كانوا أقارب ، ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ ﴾ أي : إن لا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين ، وتولي بعضهم بعضا ، تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة ،﴿ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ تحصيل فتنة في الأرض ، ومفسدة عظيمة ، لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على الشرك كان الشرك ظاهرا ، والفساد زائدا .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٣

[سورة الأنفال — آية 73]

قوله : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ أي في الألفة والجماعة على معاصي الله . ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ .

نزلت هذه الآية حين أُمِر النبي بقتال المشركين كافة ، وقد كان قوم من المشركين يكونون بين رسول الله وبين حربه من قريش . فإذا أرادهم رسول الله قالوا له : ما تريد منا ونحن كافّون عنك ، وقد نرى ناركم . وكان أهل الجاهلية يعظمون النار لحرمة قرب الجوار ، لأنهم إذا رأوا نارهم فهم جيرانهم . وإذا أرادهم المشركون قالوا : ما تريدون منا ونحن على دينكم . فأنزل الله : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ أي : فألحقوا المشركين بعضهم ببعض حتى يكون حكمكم فيهم واحداً . ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ ﴾ أي شرك ﴿ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ .

وقال بعضهم : كان [ ينزل ] الرجل بين المشركين والمسلمين فيقول : أيهم ظفر كنت معه ، فأنزل الله في ذلك .

فلا تراءى ناران : نار مشرك ونار مسلم إلا صاحب جزية مُقِرّ بها .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من خثعم كان فيهم لهم وليجة ولجوا إليهم . فلما رأوهم استعصموا بالسجود فقتل بعضهم . فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال : « أَعطوهم نصف العقل » ثم قال يومئذٍ عند ذلك : « ألا إني بريء من كل مسلم مع مشرك في داره » قيل : لِمَ يا رسول الله؟ قال : « ألا لا تراءى ناراهما »

ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم ، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم » وهذا مثل الحديث الأول .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٣

[سورة الأنفال — آية 73]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ورسوله ودينه ﴿ وَهَاجَرُوا ﴾ بلاد الشرك مكة وغيرها قبل فتح مكة ﴿ وجاهدوا ﴾ من كفر بالله ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ الجهاد بالمال إِنفاقه فى شراءِ الخيل والحمولة وعلفها وما يحتاج إِليه . . وفى السلاح وما يناسبه ، والإِنفاق على المحتاج فى الجهاد والقيام بأَهل المجاهدين . . والجهاد بالنفس مباشرة القتال ﴿ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ تنازعه هاجروا وجاهدوا ، لأَن المعنى هاجروا لأَجل الله لا لغرض دنيوى ﴿ وَالَّذِينَ آوَوْا ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمهاجرين ، ضموهم إِلى أَنفسهم فيما لهم من منافع الدنيا والإِيمان ، وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم ، حتى أَنهم لينزلون عن أَزواجهم ومساكنهم لهم ﴿ وَنصَرُوا ﴾ نصروا النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . قال الله عز وجل ﴿ والذين تبوءُوا الدار والإِيمان ﴾ وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المهاجرون والأَنصار ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعْضٍ ﴾ المهاجر ولى الأَنصارى والأَنصارى ولى المهاجرى ، والمهاجرى ولى المهاجرى ، والأَنصارى ولى الأَنصارى فى دين الله ونصره والموارثة ، ولو كانوا أَجانب فيرث المهاجرى الأَنصارى والعكس بالأُخوة فى الدين مع العقدة التى عقدها صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بينهم ، واستمروا على ذلك إِلى فتح مكة فكان الميراث بالتسب ، إِذ نسخت الهجرة ، وإِن كان للمهاجر قريب بالنسب مهاجر فهما يتوارثان ولا يجعل له أَخ من الأَنصار بالميراث ، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾ بل بقوا فى بلد الشرك بلا إِذن منه صلى الله عليه وسلم فى البدو أَو فى الحضر ﴿ مَا لَكمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَىْءٍ ﴾ من ميراثهم ونصرتهم ومحبتهم أَيها المؤمنون ، ولو كانوا أَقرباءَ وعصبة لكم إِلا إِن قاتلهم مشرك لا عهد له فانصروا ﴿ حضتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ بلاد الشرك ، ولاحظ لهم فى الغنيمة ولو جاهدوا معكم وإِن جاهدوا وحدهم فلهم ما غنموا أَو إِن هاجروا فهم مثلكم ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ ﴾ طلبوا نصركم إِياهم فى شأن دين الله ، أَو لأَجل دين الله ، بأَن قاتلهم المشركون لإِيمانهم أَو لأَمر آخر ظلما فانصروهم عليهم كما قال ﴿ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ لهم على المشركين المقاتلين لهم ﴿ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ ﴾ مشركين ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ عهد ، فخلوا بينهم وبين الذين آمنوا ولهم يهاجروا ، ولا تنقضوا الميثاق ، وسواء كان الميثاق عهد الحديبية أَو غيره ، ثم تبع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض ﴾ فيرث بعد النسخ من آمن ولم يهاجر ، ويورث ويأخذ سهمه من الغنيمة إِن جاهد ، وتقاتلون من قاتلهم من المشركين وتنصرونهم عليهم ، ولو كان للمشركين ميثاق . وقيل لا نسخ ، وإِنما المراد الموالاة بالنصر ، ويعترض بذكر النصر فى قوله فعليكم النصر ﴿ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لا تخفى عليه خيانة من خان ولا صدق من صدق ولا الأَصدق من الصادق ، والأَخون من الخائن ، فهو يعلم الفضل للمهاجرين الأَولين ، وهم المراد فى قوله تعالى ﴿ إِن الذينَ آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأَموالهم وأَنفسهم فى سبيل الله ﴾ قال هاجروا بصيغة المفاعلة للمبالغة إِذ تركوا بلادهم لله ما دام الحكم فيها لأَهل الشرك وقدم الجهاد بالأَموال لأَنه أَقوى سببية فى الجهاد ، إِذ لا يمكن الجهاد بدون المال ، ويمكن بدون الأَنفس بأَن يكون للمسلم عذر فى عدم الخروج للجهاد ويجهز غازيا بماله أَو يحمله على فرص أَو غير فرس أَو يعطيه السلاح ، قيل : ولأَن الجهاد بالمال أَكثر وقوعا ، ولأَنه الأَصل ، والعمدة والسبب ، ثم الهجرة لأَنها الإِيمان فى الواقع ثم المال لأَنه يهيأ للجهاد ، ثم يجاهد به .

والمهاجرون الآخرون بالغوا فى الهجرة كالأَولين إِلا أَنهم دون الأَولين لتأَخرهم ولهم التوارث بالنسب وينصرون ولهم سهامهم فى الغنائم ، ولهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ يتوارثون بالنسب ولا توارث بينكم وبينهم ولا تنصروهم ولا تحبوهم ، وتجب مصارمتهم ولو َقارب ، ولا يجاهدون معكم ، وإشن وقع جهاد فلاحظ لهم فى الغنيمة ، ولا يتركون أَن يجاهدوا مع المسلمين ، وقيل : المراد أَنهم بعضهم أَولياء بعض بالنصرة فى الباطل ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ ﴾ إِن لا تفعلوا ما ذكر من تولى المسلمين بعضهم بعضا ، وتواصلهم وتوارثهم ومصارمة الذين كفروا وحفظ الميثاق والإِرث والنصر ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ ﴾ دائمة عامة ، ونكر تعظيما ﴿ فِى الأَرْضِ ﴾ أَرض مكة والمدينة وغيرهما ، ومكة ولو كان فيها فتنة إِلا أَنها تدوم إِذا لم تفعلوه وتعم ، وكذا غيرها مما فيه شرك ، ويجوز أَن يراد أَرض المدينة ، والفتنةن ضعف الإِيمان وقوة الكفر ﴿ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ بسائر المعاصى كالجور ومخالفة الأَحكام الشرعية .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٣