إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوۤا۟ أُو۟لَٰۤئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِیَاۤءُ بَعۡضࣲۚ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَمۡ یُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَٰیَتِهِم مِّن شَیۡءٍ حَتَّىٰ یُهَاجِرُوا۟ۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِی ٱلدِّینِ فَعَلَیۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُم مِّیثَٰقࣱۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ٧٢
الرسم الإملائيّ
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
الجزء ١٠الربع ٧٤ صفحة ١٨٦
تفسيرها
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ ﴾ أوطانهم وشهوات أنفسهم ، حبا لله ولرسوله ، ﴿ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ باعوها ﴿ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ في طاعة الله ، من جهاد أو أمر بمعروف ونهي عن منكر ، أو طلب علم أو ترك شهوة الله تعالى ، وهم المهاجرون . ﴿ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ ﴾ أي : آووهم إلى ديارهم ، ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار . ﴿ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ أي : يتولى بعضهم بعضا بالمؤازرة على الطاعة ، وبالمواصلة على القطيعة . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ ﴾ لأن الهجرة كانت فريضة ، فصاروا بتركها مرتكبين كبيرة ؛ فمن ذلك لم تجز ولايتهم لهم ؛ ﴿ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ (لعله) بعدما يهاجروا ، ﴿ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ إن طلبوا معونتكم ؛ فواجب عليكم نصرتهم على الكافرين ، ﴿ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾ فإنه لا يجوز لكم نصركم عليهم ، لأنه لا يبتدئون بالقتال ، إذ الميثاق مانع من ذلك ،﴿ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ تحذيرا عن تعدي حد الشرع .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٢
قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا ﴾ أي إلى المدينة ﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ يعني المهاجرين ﴿ وَالَّذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا ﴾ يعني الأنصار آووا المهاجرين لأنهم أهل الدار ونصروا الله ورسوله . ﴿ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ يعني المهاجرين والأنصار .
ذكروا أن المهاجرين قالوا : يا رسول الله ، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن بذلاً في كثير ، ولا أحسن مواساة في قليل ، قد كفونا المؤونة ، وأشركونا في المَهْنَإِ؛ قد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله . قال : كلاّ ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم .
قوله : ﴿ وَالَّذِينَءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ هذا في الميراث .
قال بعضهم : نزلت هذه الآية فتوارث المسلمون زماناً بالهجرة . وكان الأَعرابي المسلم لا يرث من قريبه المهاجر شيئاً . [ ثم نسخ ذلك ] في سورة الأحزاب في هذه الآية : ﴿ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ ﴾ [ الأحزاب : 6 ] فخلط الله المؤمنين بعضهم ببعض وصارت المواريث بالملل .
غير واحد من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يتوارث أهل ملتين »
ذكر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر ، لا يتوارث أهل ملتين شتى »
وقال الحسن : أراد أن يحض الأَعراب على الهجرة ، فلم يكن الأَعرابي يرث المهاجر ولا المهاجر الأَعرابي . وهو منسوخ .
قوله : ﴿ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ لهم ، يعني الأعراب ، لحرمة الإِسلام . ﴿ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾ يعني أهل الموادعة وأهل العهد من مشركي العرب ، من كان بينه وبين رسول الله عهد ، فنِهُي المسلمون عن أهل ميثاقهم ﴿ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي : لا يخفى عليه شيء من أعمالكم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٢
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ورسوله ودينه ﴿ وَهَاجَرُوا ﴾ بلاد الشرك مكة وغيرها قبل فتح مكة ﴿ وجاهدوا ﴾ من كفر بالله ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ الجهاد بالمال إِنفاقه فى شراءِ الخيل والحمولة وعلفها وما يحتاج إِليه . . وفى السلاح وما يناسبه ، والإِنفاق على المحتاج فى الجهاد والقيام بأَهل المجاهدين . . والجهاد بالنفس مباشرة القتال ﴿ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ تنازعه هاجروا وجاهدوا ، لأَن المعنى هاجروا لأَجل الله لا لغرض دنيوى ﴿ وَالَّذِينَ آوَوْا ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمهاجرين ، ضموهم إِلى أَنفسهم فيما لهم من منافع الدنيا والإِيمان ، وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم ، حتى أَنهم لينزلون عن أَزواجهم ومساكنهم لهم ﴿ وَنصَرُوا ﴾ نصروا النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . قال الله عز وجل ﴿ والذين تبوءُوا الدار والإِيمان ﴾ وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المهاجرون والأَنصار ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعْضٍ ﴾ المهاجر ولى الأَنصارى والأَنصارى ولى المهاجرى ، والمهاجرى ولى المهاجرى ، والأَنصارى ولى الأَنصارى فى دين الله ونصره والموارثة ، ولو كانوا أَجانب فيرث المهاجرى الأَنصارى والعكس بالأُخوة فى الدين مع العقدة التى عقدها صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بينهم ، واستمروا على ذلك إِلى فتح مكة فكان الميراث بالتسب ، إِذ نسخت الهجرة ، وإِن كان للمهاجر قريب بالنسب مهاجر فهما يتوارثان ولا يجعل له أَخ من الأَنصار بالميراث ، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾ بل بقوا فى بلد الشرك بلا إِذن منه صلى الله عليه وسلم فى البدو أَو فى الحضر ﴿ مَا لَكمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَىْءٍ ﴾ من ميراثهم ونصرتهم ومحبتهم أَيها المؤمنون ، ولو كانوا أَقرباءَ وعصبة لكم إِلا إِن قاتلهم مشرك لا عهد له فانصروا ﴿ حضتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ بلاد الشرك ، ولاحظ لهم فى الغنيمة ولو جاهدوا معكم وإِن جاهدوا وحدهم فلهم ما غنموا أَو إِن هاجروا فهم مثلكم ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ ﴾ طلبوا نصركم إِياهم فى شأن دين الله ، أَو لأَجل دين الله ، بأَن قاتلهم المشركون لإِيمانهم أَو لأَمر آخر ظلما فانصروهم عليهم كما قال ﴿ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ لهم على المشركين المقاتلين لهم ﴿ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ ﴾ مشركين ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ عهد ، فخلوا بينهم وبين الذين آمنوا ولهم يهاجروا ، ولا تنقضوا الميثاق ، وسواء كان الميثاق عهد الحديبية أَو غيره ، ثم تبع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض ﴾ فيرث بعد النسخ من آمن ولم يهاجر ، ويورث ويأخذ سهمه من الغنيمة إِن جاهد ، وتقاتلون من قاتلهم من المشركين وتنصرونهم عليهم ، ولو كان للمشركين ميثاق . وقيل لا نسخ ، وإِنما المراد الموالاة بالنصر ، ويعترض بذكر النصر فى قوله فعليكم النصر ﴿ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لا تخفى عليه خيانة من خان ولا صدق من صدق ولا الأَصدق من الصادق ، والأَخون من الخائن ، فهو يعلم الفضل للمهاجرين الأَولين ، وهم المراد فى قوله تعالى ﴿ إِن الذينَ آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأَموالهم وأَنفسهم فى سبيل الله ﴾ قال هاجروا بصيغة المفاعلة للمبالغة إِذ تركوا بلادهم لله ما دام الحكم فيها لأَهل الشرك وقدم الجهاد بالأَموال لأَنه أَقوى سببية فى الجهاد ، إِذ لا يمكن الجهاد بدون المال ، ويمكن بدون الأَنفس بأَن يكون للمسلم عذر فى عدم الخروج للجهاد ويجهز غازيا بماله أَو يحمله على فرص أَو غير فرس أَو يعطيه السلاح ، قيل : ولأَن الجهاد بالمال أَكثر وقوعا ، ولأَنه الأَصل ، والعمدة والسبب ، ثم الهجرة لأَنها الإِيمان فى الواقع ثم المال لأَنه يهيأ للجهاد ، ثم يجاهد به .
والمهاجرون الآخرون بالغوا فى الهجرة كالأَولين إِلا أَنهم دون الأَولين لتأَخرهم ولهم التوارث بالنسب وينصرون ولهم سهامهم فى الغنائم ، ولهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ يتوارثون بالنسب ولا توارث بينكم وبينهم ولا تنصروهم ولا تحبوهم ، وتجب مصارمتهم ولو َقارب ، ولا يجاهدون معكم ، وإشن وقع جهاد فلاحظ لهم فى الغنيمة ، ولا يتركون أَن يجاهدوا مع المسلمين ، وقيل : المراد أَنهم بعضهم أَولياء بعض بالنصرة فى الباطل ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ ﴾ إِن لا تفعلوا ما ذكر من تولى المسلمين بعضهم بعضا ، وتواصلهم وتوارثهم ومصارمة الذين كفروا وحفظ الميثاق والإِرث والنصر ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ ﴾ دائمة عامة ، ونكر تعظيما ﴿ فِى الأَرْضِ ﴾ أَرض مكة والمدينة وغيرهما ، ومكة ولو كان فيها فتنة إِلا أَنها تدوم إِذا لم تفعلوه وتعم ، وكذا غيرها مما فيه شرك ، ويجوز أَن يراد أَرض المدينة ، والفتنةن ضعف الإِيمان وقوة الكفر ﴿ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ بسائر المعاصى كالجور ومخالفة الأَحكام الشرعية .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٢