تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأنفال

الجزء الأنفال · صفحة ٠
[سورة الأنفال — آية 73]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ورسوله ودينه ﴿ وَهَاجَرُوا ﴾ بلاد الشرك مكة وغيرها قبل فتح مكة ﴿ وجاهدوا ﴾ من كفر بالله ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ الجهاد بالمال إِنفاقه فى شراءِ الخيل والحمولة وعلفها وما يحتاج إِليه . . وفى السلاح وما يناسبه ، والإِنفاق على المحتاج فى الجهاد والقيام بأَهل المجاهدين . . والجهاد بالنفس مباشرة القتال ﴿ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ تنازعه هاجروا وجاهدوا ، لأَن المعنى هاجروا لأَجل الله لا لغرض دنيوى ﴿ وَالَّذِينَ آوَوْا ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمهاجرين ، ضموهم إِلى أَنفسهم فيما لهم من منافع الدنيا والإِيمان ، وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم ، حتى أَنهم لينزلون عن أَزواجهم ومساكنهم لهم ﴿ وَنصَرُوا ﴾ نصروا النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . قال الله عز وجل ﴿ والذين تبوءُوا الدار والإِيمان ﴾ وهم الأَنصار المؤثرون على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المهاجرون والأَنصار ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعْضٍ ﴾ المهاجر ولى الأَنصارى والأَنصارى ولى المهاجرى ، والمهاجرى ولى المهاجرى ، والأَنصارى ولى الأَنصارى فى دين الله ونصره والموارثة ، ولو كانوا أَجانب فيرث المهاجرى الأَنصارى والعكس بالأُخوة فى الدين مع العقدة التى عقدها صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بينهم ، واستمروا على ذلك إِلى فتح مكة فكان الميراث بالتسب ، إِذ نسخت الهجرة ، وإِن كان للمهاجر قريب بالنسب مهاجر فهما يتوارثان ولا يجعل له أَخ من الأَنصار بالميراث ، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾ بل بقوا فى بلد الشرك بلا إِذن منه صلى الله عليه وسلم فى البدو أَو فى الحضر ﴿ مَا لَكمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَىْءٍ ﴾ من ميراثهم ونصرتهم ومحبتهم أَيها المؤمنون ، ولو كانوا أَقرباءَ وعصبة لكم إِلا إِن قاتلهم مشرك لا عهد له فانصروا ﴿ حضتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ بلاد الشرك ، ولاحظ لهم فى الغنيمة ولو جاهدوا معكم وإِن جاهدوا وحدهم فلهم ما غنموا أَو إِن هاجروا فهم مثلكم ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ ﴾ طلبوا نصركم إِياهم فى شأن دين الله ، أَو لأَجل دين الله ، بأَن قاتلهم المشركون لإِيمانهم أَو لأَمر آخر ظلما فانصروهم عليهم كما قال ﴿ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ لهم على المشركين المقاتلين لهم ﴿ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ ﴾ مشركين ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ عهد ، فخلوا بينهم وبين الذين آمنوا ولهم يهاجروا ، ولا تنقضوا الميثاق ، وسواء كان الميثاق عهد الحديبية أَو غيره ، ثم تبع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض ﴾ فيرث بعد النسخ من آمن ولم يهاجر ، ويورث ويأخذ سهمه من الغنيمة إِن جاهد ، وتقاتلون من قاتلهم من المشركين وتنصرونهم عليهم ، ولو كان للمشركين ميثاق . وقيل لا نسخ ، وإِنما المراد الموالاة بالنصر ، ويعترض بذكر النصر فى قوله فعليكم النصر ﴿ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لا تخفى عليه خيانة من خان ولا صدق من صدق ولا الأَصدق من الصادق ، والأَخون من الخائن ، فهو يعلم الفضل للمهاجرين الأَولين ، وهم المراد فى قوله تعالى ﴿ إِن الذينَ آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأَموالهم وأَنفسهم فى سبيل الله ﴾ قال هاجروا بصيغة المفاعلة للمبالغة إِذ تركوا بلادهم لله ما دام الحكم فيها لأَهل الشرك وقدم الجهاد بالأَموال لأَنه أَقوى سببية فى الجهاد ، إِذ لا يمكن الجهاد بدون المال ، ويمكن بدون الأَنفس بأَن يكون للمسلم عذر فى عدم الخروج للجهاد ويجهز غازيا بماله أَو يحمله على فرص أَو غير فرس أَو يعطيه السلاح ، قيل : ولأَن الجهاد بالمال أَكثر وقوعا ، ولأَنه الأَصل ، والعمدة والسبب ، ثم الهجرة لأَنها الإِيمان فى الواقع ثم المال لأَنه يهيأ للجهاد ، ثم يجاهد به .

والمهاجرون الآخرون بالغوا فى الهجرة كالأَولين إِلا أَنهم دون الأَولين لتأَخرهم ولهم التوارث بالنسب وينصرون ولهم سهامهم فى الغنائم ، ولهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ يتوارثون بالنسب ولا توارث بينكم وبينهم ولا تنصروهم ولا تحبوهم ، وتجب مصارمتهم ولو َقارب ، ولا يجاهدون معكم ، وإشن وقع جهاد فلاحظ لهم فى الغنيمة ، ولا يتركون أَن يجاهدوا مع المسلمين ، وقيل : المراد أَنهم بعضهم أَولياء بعض بالنصرة فى الباطل ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ ﴾ إِن لا تفعلوا ما ذكر من تولى المسلمين بعضهم بعضا ، وتواصلهم وتوارثهم ومصارمة الذين كفروا وحفظ الميثاق والإِرث والنصر ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ ﴾ دائمة عامة ، ونكر تعظيما ﴿ فِى الأَرْضِ ﴾ أَرض مكة والمدينة وغيرهما ، ومكة ولو كان فيها فتنة إِلا أَنها تدوم إِذا لم تفعلوه وتعم ، وكذا غيرها مما فيه شرك ، ويجوز أَن يراد أَرض المدينة ، والفتنةن ضعف الإِيمان وقوة الكفر ﴿ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ بسائر المعاصى كالجور ومخالفة الأَحكام الشرعية .

١٬٢٣٣ / ٦٬٢٣٦