سورة التوبة · الآية ١٢٢ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِیَنفِرُوا۟ كَاۤفَّةࣰۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةࣲ مِّنۡهُمۡ طَاۤئِفَةࣱ لِّیَتَفَقَّهُوا۟ فِی ٱلدِّینِ وَلِیُنذِرُوا۟ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ یَحۡذَرُونَ١٢٢
الرسم الإملائيّ

وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

الجزء ١١الربع ٨٣ صفحة ٢٠٦

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 122]

﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ﴾ وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزوٍ ، أو طلب علم ، كما لا يستقيم لهم أن يتركوا جميعا ، فإنه يخلُّ بأمر المعاش ؛ ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ ﴾ فحين لم يُمكن نفير الكَّافة فهلا نفر ﴿ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ ﴾ أي : من كل جماعة كبيرة ، جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير ؛ ﴿ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ ﴾ ليتكلفوا الفقاهة فيه ، ويتجشموا المشاق في تحصيلها ، ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ وليجعلوا مري همتهم إلى التفقه إنذار قومهم وإرشادهم ﴿ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ ﴾ دون الأغراض الخسيسية [ كذا] من التصدُّر والترؤُّس والتشبُّه بالظلمة في المراكب والملابس ؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ ما يجب اجتنابه ؛ وقيل : إن رسول الله  كان إذا بعث بعثا بعد غزوة تبوك ، بعدما أُنزل في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير ، وانقطعوا جميعا عن التفقه في الدين ؛ فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ، ويبقى سائرهم يتفقهون ، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر ، إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثرا من الجهاد والنضال ، والضمير في (( ليتفقهوا )) للفِرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم ، ( ولينذروا قومهم ) ولتنذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم ، بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم ؛ وعلى الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٥٧

[سورة التوبة — آية 122]

قوله : قوله : ﴿ وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ أي جميعاً . قال الحسن : فَيُعْروا مقامَ رسول الله . ﴿ فَلَوْلا ﴾ أي : فهلاَّ ﴿ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ ﴾ أي : من الكفار ﴿ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾ فيخبروهم بنصر الله النبيِّ والمؤمنين ، ويخبروهم أنهم ليس لهم بقتال النبي طاقة ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ أي لا ينزل بهم ما نزل بغيرهم من القتل والسبإ والغنيمة ، فيؤمنوا .

وقال بعضهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من تبوك ، وقد أنزل الله في المنافقين الذين تخلّفوا عنه ما نزل ، قال المؤمنون : لا والله ، لا يرانا الله متخلفين عن غزوة غزاها رسول الله أبداً ولا عن سرية . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا ، أن تخرج . فنفر المسلمون من آخرهم ، وتركوا نبيَّ الله عليه السلام وحده ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ﴿ وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ﴾ أي جميعاً ، فيتركوك وحدك بالمدينة . ﴿ فَلَوْلاَ ﴾ ، أي : فهلا ، { نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [ أي ليتفقه المقيمون ] ﴿ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي من غزاتهم ،

﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ ، أي لِيُعْلِم المقيمُ الغازيَ ، إذا رجع ، ما نزل بعده من القرآن .

وقال بعضهم : إن أحياء من بني أسد بن خزيمة أقحمتهم السنة إلى المدينة ، فأقبلوا معهم بالذراري ، فنزلوا المدينة ، فغلوا أسعارها ، وأفسدوا طرقها ، فنزلت : ﴿ وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ .

وقال مجاهد : إن أناساً من أصحاب النبي عليه السلام كانوا خرجوا إلى البوادي ، فأصابوا من الناس معروفاً ، ومن الخصب ما ينتفعون به ، ودعوا من لقوا من الناس إلى الهدى؛ فقال لهم الناس : ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم وجئتمونا . فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرّجاً ، وأقبلوا من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقال الله : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، أي : بعض ، وقعد بعض يبتغون الخير ، ليتفقهوا ، أي ليستمعوا ما في الناس وما أنزل بعدهم ، ولينذروا قومهم ، أي الناس كلهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٥٧

[سورة التوبة — آية 122]

﴿ وَلاَ يُنْفِقُونَ ﴾ على أَنفسهم أَو غيرهم فى سبيل الله ﴿ نَفَقَةً صَغِيرَةً ﴾ كتمرة وشسع نعل وعلاقة سيف وعلاقة سوط وسهم ( وَلاَ كَبِيرَةً ) كما أَنفق عثمان أَلف دينار وأَلف بعير وغير ذلك فى غزوة العسرة ﴿ وَلاَ يَقْطَعُونَ ﴾ بالسير ﴿ وَادِياً ﴾ ما من الأَودية وهو ما بين الجبلين تمر فيه السيول ، وما حفر السيل هو بطن الوادى وما لم يحفر هو ظاهر الوادى ، وهو فى الأَصل اسم فاعل ، ودى الشىء بمعنى سال أَو وداه أَى أَوصله ، والمراد هنا مطلق الأَرض حقيقة عرفية أَو اصطلاحية ولا فاعل يجمع على أَفعلة إِلا وادٍ وناج ونادٍ ﴿ إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ﴾ ما ذكر من الإِنفاق ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله ﴾ بذلك ﴿ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أَى جزاء مثل جزاءِ أَحسن أَعمالهم ، أَو أَحسن جزاءِ أَعمالهم سبعمائِة فصاعدا ، فأحسن فى الآية إِما نفس العمل وبقدر مضار قبله أَى جزاءَ العمل الذى هو أَحسن الأَعمال وإِما الجزاءُ فيقدر مضاف بعده أَى أَحسن جزاءِ أَعمالهم ، والعمل الأَحسن هو الواجب المؤدى تأْدية مجودة . ولما بالغ فى كشف عيوب المنافقين ، وقال ﴿ ما كان لأَهل المدينة ﴾ إِلخ قال المسلمون والله لا نتخلف عن غزوة ولا عن سرية يبعثها . فنزل :

﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا ﴾ إِلى الجهاد ﴿ كَافَّةً ﴾ فيبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَو يخرج معهم فلا يبقى إِلا من هو ضعيف فتهقى المدينة بلا حرس ، وذلك إِجبار بمعنى النهى أَى لا ينفروا كافة ، أَو إِخبار باق أَى ما كان فى دين الله ، أَو كان بمعنى يستقيم مجازا لا ينفروا كافة ولا يقعدوا كافة ، وهكذا الإِسلام بين إِفراط وتفريط ﴿ فَلَوْلاَ ﴾ حرف تحضيض ﴿ نَفَرَ ﴾ بمعنى ينفر أَو حرف توبيخ بالماضى على ظاهره ، وهذا على أَنه قد صدر منهم النفار جميعاً فى كل سرية كما حلفوا ، ولو ردهم عن النفار ﴿ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ﴾ قبيلة ﴿ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾ جماعة فقد اثنان أَو ثلاثة فصاعدا ، وقد تطلق طائِفة على واحد ، ويليق هذا أَيضاً فى بعض الأَحيان إِذا أَراد الفتنة ، وربما بعث أَربعة فصاعدا أَو مر كلام فى ذلك ، وفى بعض القول السرية ما زاد على المائِة إِلى خمس مِائَة ، وما زاد عليها إِلى ثمانمائَةٍ منسر بكسر السين وما زاد إِلى أَربعة آلاف جيش ، وما زاد جحفل ، وسراياه بلا خروج منه سبع وأَربعون ، وغزواته التى خرج فيها سبع وعشرون ، قاتل فى ثمانين منها . ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ ﴾ من قعد لسماعه ومن خرج لأَنه يعلمه القاعد ما سمع ، والمعنى ليعالجا معرفة مسائِل الدين والعمل بها ، ولا شك أَن المراد ما يشمل المواعظ ونحو الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحو النكاح والبيوع والطلاق واللعان والإِجارات والقضاء ﴿ وَلِيُنْذِرُوا ﴾ بمعنى لينذر من قعد ﴿ قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا ﴾ أَى القوم الخارجون ﴿ إِلَيْهِمْ ﴾ إِلى القاعدين ، وفى ذلك تفكيك الضمائر إِن رجعنا واو يتفقهوا إِلى الكل و واو ينذروا للقاعدين كهاءِ إِليهم ، وإِن رجعنا ضمير ليتفقهوا للقاعدين وضمير لينذروا لهم أَيضاً لم يكن تفكيك ، وفى هذا مخالفة ما يتبادر من أَن النفار إِلى الغزو بأَن نجعل النفار إلى التعلم .

والسياق وسبب النزول أَنه إِلى الجهاد ، فنقول وما كان المؤمنون لينفروا إِلى التعلم كافة ، وقدر بعض لولا نفر من كل فرقة طائِفة وأَقام طائِفة ليتفقهوا ، ولم يقل وليعلموا قومهم إِذا رجعوا إِليهم لعلهم يفقهون ، كما هو مناسب لما قبله ، لأَنه يلزم المعلم الإِرشاد والإِنذار ، وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسيط والاستكبار وطلب العلم لذات العلم ، فالآية كالنص فى أَنه يجوز التعلم لأَجل التعليم إِذا كان إِخلاص ، فإِن الصحابة لما سمعوا تعلموا ليعلموا من خرج ، وقد يجعل لينفروا بمعنى لينفروا إِلى أَمر الدين مطلقاً الغزو والتعلم ولا سيما أَن التعلم والتعليم باللسان كجهاد السيف ، فلولا نفر من كل فرقة إلى ما يليق بها من تعلم أَو غزو ليكون فى المجموع التفقه فى الدين والإِنذار ، ولا تفكيك على هذا ، وفى التعبير بالنفر التحضيض على الغزو ونحوه بسرعة ، ولم يذكر التبشير لأَن الأَهم الإِنذار ، وعدم التبشير لا يحل بالتكليف ولا يفرق بعدمه فى أَداءِ الغرض ، والقلوب القاسية أَليق بالإِنذار ، وقد يقدر محذوف هكذا : وليبشروهم ويخبروهم بمطلق ما نزل ، فيقدر على هذا فى قوله ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ محذوف أَيضاً ، أَى يحذرون ويتباشرون ويسمعون مطلق ما نزل ، لأَن الوحى لا ينحصر فى إِنذار وتبشير ، روى أَن ناساً من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا فى البوادى فأَصابوا معروفاً من الناس وما ينفعهم من الخصم ، ودعوا من لاقوه إِلى الهدى ، فقيل لهم تركتم أَصحابكم وجئْتمونا فتخرجوا فرجعوا كلهم ودخلوا على النبى صلى الله عليه وسلم فنزل ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ أَى لولا خرج بعض وقعد بعض ، وفى الآية أَن خبر الواحد الأَمين حجة؛ فإِن كل واحد ينذر غيره لا يشترط أَن يكون معه آخر أَو اثنا ، والآحاج يطلق فى عرف الأُصول على ما دون التواتر ولو اثنين أَو ثلاثة . . .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٥٧