سورة التوبة · الآية ٣٥ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
یَوۡمَ یُحۡمَىٰ عَلَیۡهَا فِی نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُوا۟ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ٣٥
الرسم الإملائيّ

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ

الجزء ١٠الربع ٧٧ صفحة ١٩٢

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 35]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾ المتسمون بهذا الاسم الشريف بزعمهم ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ ﴾ استعار الأكل للأخذ ﴿ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ ﴾ سفلتهم ﴿ عَن سَبِيلِ اللّهِ ﴾ دينه

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ خصا بالذكر من بين سائر الموال ، لأنهما قانون التمول ، وأثمان الأشياء . قال ابن عمر فيما يروى عنه : (( كل ما يؤدي زكاته فليس بكنز ، وإن كان مدفونا ، وكل ما لا يؤدي زكاته فهو كنز وإن كان غير مدفونا )) . ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ بمحق ما يكنزون في الدنيا وفي الآخرة ، كما قال :

﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ إن نار جهنم يُحمى عليها أي : تُوقد ﴿ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾ لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى ، والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية ﴿ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ يقال لهم : هذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم ، وهو توبيخ . ﴿ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ أي : وبال المال الذي تكنزونه .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٧٠

[سورة التوبة — آية 35]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ ﴾ يعني ما كانوا يأخذون من الرشى في الحكم وعلى ما حرفوا من كتاب الله ، وكتبوا كتاباً بأيديهم على ما يهوون ، ثم قالوا : هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً أي عرضاً من الدنيا يسيراً ، وهو ما كانوا يأخذون . ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ أي : عن محمد والإِسلام .

قوله : ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي موجع ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ .

قال الحسن : تُحشر تلك الأموال يوم القيامة بأعيانها ، فيُحمى عليها ، فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم . ﴿ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ يعني من وجب عليه الانفاق في سبيل الله .

ذكروا عن ابن مسعود أنه قال : والذي لا إله غيره ، لا يُكوى رجل بكنزٍ فيمسي دينار ديناراً ، ولا درهم درهماً ، ولكن يُوسّع لذلك جلده .

ذكروا عن أبي ذر وأبي هريرة أنهما قالا : كلّ صفراء وبيضاء أوكأ عليها صاحبها فهي كنز حتى يفرغها ، فينفقها في سبيل الله .

ذكروا عن الزهري أنه قال : نسخت آية الزكاة الكنز . وقال بعضهم : نَسَخت الزكاةُ كلَّ صدقة كانت قبلها .

ذكروا عن ابن عمر أنه قال : كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً ، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً . وذكروا عن ابن عباس مثل ذلك .

ذكر الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أدّى زكاة ماله فقد أَدّى حقَّ الله في ماله ، ومن زاد فهو خير له »

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٧٠

[سورة التوبة — آية 35]

﴿ يَوْمَ يُحْمَى ﴾ متعلق بعذاب أَو بمحذوف نعت له أَو مفعول به ، أَى اذكر للناس يوم يحمى ، ولا يقدر عذاب يوم يحمى . فيجعل عذاب بدل عذاب فحذف المضاف لأَن يوم منصوب . لا أَن بنى لإضافته لجملة ﴿ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ يوم توقع شدة الحمى عليها . فالواقع عليها الحمى لا النار ، لأَن النار من تحتها وجوانبها أَيضا . لا فوقها فقط ، أَو الأصل تحمى النار عليها بالتاءِ الفوقية ، كما قرأ الحسن ، وذلك مبالغة فى حرارة النار ، ولما حذف النار ناب عن قوله عليها ، فكان يحمى بالياءِ التحتية ، ولحذفه ساغ ذكر قوله فى نار جهنم ، وإفراد الضمير فى عليها وينفقونها لتأْويل الكنوز ، واختير ذلك لأَن المراد الكثير من الذهب والفضة ، ولو صح إِطلاق الكنز أَيضا على القليل ، ولا يختص بالكثير كما توهمن وإنما حملت الآية على الكثير لأن الآية فى قوم كنزوا كثيراً ، وغيرهم ملحق بهم والقليل ملحق بالكثير ، وجاز رجوع الضمير إلى الفضة ، وهى أَقرب فيلحق بها الذهب بالأَولى ، وخصت بالذكر لأَنها أَكثر ولأن الناس أَحوج إِليها . ﴿ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾ أَما وجوههم فلأَنهم يطلبون بالأَموال الاحترام والوجاهة ، وفى الوجه يظهر العز ، ولأَنهم أَعرضوا بها عن سائلهم ، وأَما جنوبهم فلا نفتاحها فى الأَكل والملابس الحسنة ، وكذا الظهور ، ولأَنه يصير بعد الإِعراض عن الوجاهة إلى مجانبة ، فيكوى الجنب ثم إِن زيد سؤال أَو لم يزد . ولى ظهرا فيكوى ظهره ، ولأَن ذلك جهات أَربع ومشتمل على الدماغ المحاذى للجبهة . والقلب المحاذى للجانب الأيسر والكبد المحاذى المظهر ، ولأَنها الجهات التى يلتفت إِيها عند الدفن ، قال أَبو هريرة : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها إلا إِذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار ، فيكوى بها جنبه وظهره ﴿ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ﴾ مفعول الجال محذوفة صاحبها الهاءَات الثلاث الأَخيرة ، أَى مقولاً لهم هذا الذى تكوون به المال الذى كنزتم لأَنفسكم صار لكم ضراً ، أَو هذا الكى جزاءَ ما كنزتم . أَو هذا الكى هو الذى كنزتم لأَنفسكم بكنزكم ، موجبه الذى هو ذلك المال ، تبسط جلودهم حتى تسمع جميع ما كنزوا ، ولو كان ميلا أَو أكثَر من المال ﴿ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ ما مصدرية أَو اسم . أَى ذوقوا جزاءَ كنزكم للمال أَو جزاءَ المال الذى كنزتموه ، أَو جزاءَ مال كنزتموه ، ومهد لجناية أُخرى جناها مشركو العرب ، قيل واليهود والنصارى ، وهى النسىءُ بقوله عز وجل .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٧٠