یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِینَ یَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ٣٤
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
الجزء ١٠الربع ٧٧ صفحة ١٩٢
تفسيرها
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾ المتسمون بهذا الاسم الشريف بزعمهم ﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ ﴾ استعار الأكل للأخذ ﴿ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ ﴾ سفلتهم ﴿ عَن سَبِيلِ اللّهِ ﴾ دينه
﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ خصا بالذكر من بين سائر الموال ، لأنهما قانون التمول ، وأثمان الأشياء . قال ابن عمر فيما يروى عنه : (( كل ما يؤدي زكاته فليس بكنز ، وإن كان مدفونا ، وكل ما لا يؤدي زكاته فهو كنز وإن كان غير مدفونا )) . ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ بمحق ما يكنزون في الدنيا وفي الآخرة ، كما قال :
﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ إن نار جهنم يُحمى عليها أي : تُوقد ﴿ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾ لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى ، والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية ﴿ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ ﴾ يقال لهم : هذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم ، وهو توبيخ . ﴿ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ أي : وبال المال الذي تكنزونه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٦٩
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ ﴾ يعني ما كانوا يأخذون من الرشى في الحكم وعلى ما حرفوا من كتاب الله ، وكتبوا كتاباً بأيديهم على ما يهوون ، ثم قالوا : هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً أي عرضاً من الدنيا يسيراً ، وهو ما كانوا يأخذون . ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ أي : عن محمد والإِسلام .
قوله : ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي موجع ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ .
قال الحسن : تُحشر تلك الأموال يوم القيامة بأعيانها ، فيُحمى عليها ، فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم . ﴿ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ يعني من وجب عليه الانفاق في سبيل الله .
ذكروا عن ابن مسعود أنه قال : والذي لا إله غيره ، لا يُكوى رجل بكنزٍ فيمسي دينار ديناراً ، ولا درهم درهماً ، ولكن يُوسّع لذلك جلده .
ذكروا عن أبي ذر وأبي هريرة أنهما قالا : كلّ صفراء وبيضاء أوكأ عليها صاحبها فهي كنز حتى يفرغها ، فينفقها في سبيل الله .
ذكروا عن الزهري أنه قال : نسخت آية الزكاة الكنز . وقال بعضهم : نَسَخت الزكاةُ كلَّ صدقة كانت قبلها .
ذكروا عن ابن عمر أنه قال : كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً ، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً . وذكروا عن ابن عباس مثل ذلك .
ذكر الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أدّى زكاة ماله فقد أَدّى حقَّ الله في ماله ، ومن زاد فهو خير له »
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٦٩
سورة التوبة بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ناداهم تحذيرا عن فعل الرهبان والأَحبار من أَكل المال بالباطل ، وتعجيبا من صدهم عن سبيل الله وعدم اتباعهم لكتبهم ، فإياكم ومخالفة كتابكم القرآن ، عاب أَتباعهم باتخاذهم أربابا ، وفيه عيب قبولهم اتخاذ الأَتباع ، وعابهم يأَكل المال باطلاً وبالصد ، وعليهم بالحرص على المال فى قوله ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارش وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ وبالحرص على الجاه فى قوله ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ﴾ يعرضون عن الحق من القرآن وغيره ، ليبقوا فى مراتبهم محترمين آكلين لأَموال غيرهم ، أَو يمنعون غيرهم عن الحق بإلقاء الشبه والخديعة ليبقوا أتباعا لهم ، منتفعين باستخدامهم وأَموالهم ، ومعنى أَكل أَموال الناس بالباطل ، أَخذها بتحريف آيات التوراة والإِنجيل فى وصفه صلى الله عليه وسلم ، وفى بعض الأَحكام وبكتابة من عندهم مع قولهم أَنها من الله جل وعز ، وبالرشوة فى الحكم لا خصوص أَكها فى البطن ، إلا أَنه خص بالذكر لأَنه المقصود الأَعظم فى المال ، والأَكل سبب للأَخذ والتملك وملزوم لهما ، ويجوز العكس ، وهو أَن الأَخذ والتملك مسببان للأَكل ولا زمان له ، أَو المراد بالأَموال الأَطعمة ، أو الأَكل استعارة للأَخذ ، شبه مبالغتهم فى الأَخذ بلا تمييز للباطل منه ، بالمبالغة فى الأَكل بلا تمييز طعام من طعام لشدة الجوع ، لا يقال ببرودة هذه الاستعارة لأنه لا ذكر فى الآية للمبالغة ، لأَنا نقول ذكرت بذكر الباطل ، وليس معنى كثيراً أَكثر بحسب اللغة ، بل يعم النصف وأَكثر وأَقل ، ولو كان الواقع فى الصد والأَكل هو أَكثرهم ، وقل من لم يفعل ذلك منهم على عهده صلى الله عليه وسلم أَو قبله . ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ من الأَحبار أَو من أَهل الكتاب أَو من المؤمنين أَو من الكل ، وهو أَولى ، وخص الذهب والفضة بالذكر لأَنهما أَعظم . قيل : ولأَنهما الأَصل الغالب فى الأَموال ، وإلا فحكم النحاس المضروب سكة حكمها ، وكذا كل مال تلزم فيه الزكاة أَو النفقة ولا تخرج ، روى أَبو داود عن ابن عباس أَنه لما نزلت الآية كبرت على المسلمين ، فقال عمر : أَنا أُفرج عنكم ، فانطلق فقال : يا رسول الله ، إنه كبر على أَصحابك هذه الآية ، فقال : إِن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقى من أَموالكم ، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم ، فكبر عمر ، ثم قال : أَلاَ أُخبرك بخير ما يكنز المرءُ؟ المرأَة الصالحة إِذا نظر إليها سرته ، وإِذا أَمرها أطاعته ، وإِذا غاب عنها حفظته ، وروى الترمذى عن ثوبان : لما نزلت ﴿ والذين يكنزون ﴾ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بعض أَسفاره ، فقال بعض أَصحابه نزلت فى الذهب والفضة ، فلو علمنا أَى المال خير اتخذناه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« أَفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوج صالحة ، تعين المؤمن على إيمانه » ولفظ الحديث زوجة صالحة بالتاء فى زوجة ، والله لا يقول النبى ذلك إن شاءَ الله تعالى ، وإنما يقول زوج ، وكذا لا يقوله الصحابى ولا نحوه . وهذا مما يقوى ما ذهبت إليهن من أَنه لا يكون الحديث حجة كضعف زوجة بالتاءِ . وضعف مثنى مثنى مرتين ، وضعف قرن خبر كاد بأَن ، ولم ولم أَر حديثا لم يتكرر فيه مثنى ولا خبر كاد لم يقرن فيه بأَن ، وذلك لا يوصف به كلامه صلى الله عليه وسلم ولو فى قليل ، فكيف بالملازمة ، فعملنا أَن الرواة يحرفون لكنهم حافظوا على المعنى ﴿ وَلاَ يُنْفِقُونَها ﴾ أَفرد الضمير للتأْويل بالعين أَو بالورق وهو شامل للذهب والفضة أَو بالدنانير والدراهم والأَموال ﴿ فِى سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ كنز المال جمعه وإبقاؤه بدفن أَو بلا دفن ، فذكر عدم الإِنفاق زيادة بيان أَو استعمل الكنز بمعنى الجمع تجريدا عن بعض معناه ، وذكر البعض بقوله : ولا ينفقونها فى الزكاة والجهاد وأَنواع البر ، وذلك فى أَهل الكتاب ، وصفهم بالحرص فى جم المال ، ثم بالشح ونادى المسلمين تنبيها عن أَن يفعلوا فعلهم . كما قال معاوية . أَو فى الموحدين المانعين للزكاة ، قرنهم بأَهل الكتاب والأَشحاءِ الفاعلين لمثل ذلك ، كما قال ابن عباس ، أَو فى الفريقين جميعا كما قال أَبو ذر ، ولما نزلت أَتى عمر النبى صلى الله عليه وسلم فيها ، وقد اشتدت عليه وعلى المسلمين فقال له إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقى من أَموالكم ، فإِذا أَخرجنا الزكاة حل الباقى ، ولو ملأَ السموات والأَرضين ، وقصة عمر هذه لا تتعين فى نزولها فى الموحدين ، ولو قيل به لأَنها إنما نزلت فينا وفى أَهل الكتاب ، فقد عمت أَيضا ، وإِن نزلت فيهم فقد حذرنا الله أَن نكون مثلهم ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « ما أَدى زكاته فليس بكنز » ، رواه ابن عمر ، وعن ابن عمر : ما أُديت زكاته فليس بكنز وإِن كان تحت سبع أَرضين ، وما لم تؤد زكاته ، فهو الذى ذكر الله ولو كان على ظهر الأَرض ، والتغى بقوله : وإِن كان تحت سبع أَرضين معتبر بالإِخفاءِ لا بالكثرة ، كما هو ظاهر ، وكما دل له قوله : ولو كان على ظهر الأَرض ، أَى غيرخفى ، والمراد ليس بكنز موعود عليهن قال صلى الله عليه وسلم : « من ترك صفراءَ أَو بيضاءَ كوى بها » ، يعنى تركها بلا زكاة ، ووجد فى إِزار رجل من أهل الصفة دينار ، فقال صلى الله عليه وسلم : « كية » وفى إزار رجل آخر ديناران فقال : « كيتان » ، وذلك قبل أَن تفرض الزكاة ، أَو أَظهرا الفقر ولهما ذلك .
وروى أَن أَبا ذر رضى الله عنه أَوجب على الناس أَن لا يدخروا دينارا ولا درهما ، ولو بعد الزكاة وأَداءِ سائر الحقوق ، فأَنكر الناس عليه كلهم بالأَحاديث وآيات المواريث . وعابوه على ذلك . فإن صح عنه فذلك هفوة منه ، غفرها الله تعالى له ، لا يوجد من لا يهفو ، فقيل إن عثمان خاف أَن يتبع فى ذلك منفاه إلى الزبذة ، وقيل اختار العزلة فاستشار عثمان فأَمره بالذهاب إليها . ونسب الرواة أَن لأَبى ذر حدة ، وأَن كعب الأَحبار رضى الله عنه نهاه عن ذلك ، فقال : ليس هذا فى اليهودية التى هى أَضيق الشرائع ، وكيف يكون فى الملة السمحة ، وإنه قال له : ليست السمأَلة من ذلك يا يهودى ، وتبعه بالعصا حتى أَوصله عثمان فكفه عنه ، فقيل : ضربه ووقعت العصا على عثمان ، قلت : لا يصح عنه أن يقول له يا يهودى معايرة له بنسبه ولا بما تاب منه ، وإن صح فما هو إلا قد تاب ، لأَنه صلى الله عليه وسلم قال إِنه من أَهل الجنة ، والذين معطوف على كثير ، والفاء تفريع أَو منصوب على الاشتغال أَو مبتدأُ والفاءُ صلة أَو تشبيه المشروط باسم الشرط ، وفى الأَخير الإِخبار بالصلب وسائر أَموال الزكاة فى حكم الذهب والفضة وخصهما بالذكر لأَنهما أَعظم ولأَنهما أَسهل للإِخفاءِ والتبشير استعارة تهكمية لعلاقة التضاد ، أَو مجاز مرسل لعلاقة الإِطلاق والتقييد .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٦٩