سورة التوبة · الآية ٤ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
إِلَّا ٱلَّذِینَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ثُمَّ لَمۡ یَنقُصُوكُمۡ شَیۡءࣰا وَلَمۡ یُظَٰهِرُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَحَدࣰا فَأَتِمُّوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ٤
الرسم الإملائيّ

إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

الجزء ١٠الربع ٧٥ صفحة ١٨٧

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 4]

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ استثناء من قوله : ( فسيحوا في الأرض ) والمعنى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم : سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم . ﴿ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ من شروط العهد ، أي : وفوا بالعهد ولم ينقضوه ، ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ ولم يعاونوا عليكم عدوا ؛ ﴿ فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ﴾ فأدوا إليهم تماما كملا ﴿ إِلَى مُدَّتِهِمْ ﴾ والاستثناء : بمعنى الاستدراك ، كأنه قيل : بعد أن أمروا في الناكثين لكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم ، ولا تجروهم مجراهم ، ولا تجعلوا الوافي كالغادر ، ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ أي : إن قضية التقوى أن لا تسوي بين من أوفى بما عاهد عليه وبين الناقض .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٩

[سورة التوبة — آية 4]

قال : ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [ أي وإعلام من الله ورسوله ] ، يعني بالأذان أن يؤذن للناس بذلك . ﴿ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ ﴾ أي يوم النحر .

ذكروا عن علي قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال : « هو يوم النحر »

ذكر عن الحسن قال : إنما كان عاماً ولم يكن يوماً ، يعني ذلك العام .

ذكروا عن مجاهد قال : وأذان من الله ورسوله إلى الناس كلّهم بالقتال إلا أن يؤمنوا وقال : الحج الأكبر ، حين الحج ، أيامه كلها .

قوله : ﴿ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ أي إِن لم يؤمنوا ﴿ فَإِن تُبْتُمْ ﴾ يقول للمشركين : فإن تبتم من الشرك فأسلمتم ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي عن الله ورسوله وعن دينه ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله ﴾ أي لستم بالذين تعجزون الله فتسبقونه حتى لا يقدر عليكم .

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي بالقتل قبل عذاب الآخرة .

ثم رجع إلى قصة أصحاب العهد فقال : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾ أي لم يضروكم شيئاً ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُوا ﴾ أي لم يعاونوا ﴿ عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾ من المشركين ﴿ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ﴾ أي إلى الأجل الذي عاهدتموهم عليه من يوم النحر إلى عشر يمضين من شهر ربيع الآخر . ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٩

[سورة التوبة — آية 4]

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المشْرِكِينَ ﴾ هم بنو ضمرة وحى من كنانة لم ينقضوا شرطا ولم يظاهروا أَحدا عليكم من الكفار كما قال الله عز وجل ﴿ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا ﴾ من شروط العهد ولم يقتلوا أَحدا منكم وممن فى عهدكم فهو مفعول أَول مؤخر فإِن ينقص يكون لازما ومتعديا لواحد ومتعديا لاثنين ، أَو مفعول مطلق أَى لم ينقصوكم نقصا ، وإِنما قلت مفعول أَول مؤخر لأَنه فاعل فى المعنى إِذ هو الذى يسقط وينقص ﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُوا ﴾ يعينوا ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أَو على من فى عهدكم كخزاعة ﴿ أَحَدًا فأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ ﴾ إِلى انقضاءِ مدتهم ، بقى من مدة بنى ضمرة وكنانة تسعة أَشهر وهم باقون على العهد فأَمر بالوفاءِ لهم ولا يجعل الوافى كالغادر ، وقيل بنو ضمرة وبنو مدلج هما المراد وأَنهما حيان من كنانة ، وأَخرج ابن أَبى حاتم أَنه قال : هؤلاءِ قريش عاهدوا نبى الله صلى الله عليه وسلم زمان الحديبية ، وبقى لهم من مدتهم أَربعة أَشهر بعد يوم النحر ، فأَمر النبى صلى الله عليه وسلم أَن يوفى لهم ما بقى ، وهو خلاف ما شهر ، والاستثناء إِما منقطع أَى لكن الذين عاهدتم من المشركين ليس حكمهم حكما بأَربعة أَشهر ، وبين هذا بقوله فأَتموا إِلخ . . ولا يلزم من كونه منقطعا أَن يكون منصوبا على الاشتغال أَى صونوا الذين عاهدتم ، أَو راعوهم ، أَو مبتدأ مخبرا عنه بالأَمر ، وإِما متصل من قوله الذين عاهدتم من المشركين ، وفى هذا فصل كثير وعليه فهو قيل فى هذا المعنى كأَنه براءَة من الله ورسوله إِلى الذين عاهدتم من المشركين الذين ليسوا بنى ضمرة ﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ وإِتمام مدتهم من التقوى وهو واجب وعدمه فسق ، ولذلك ناسب ذكر التقوى هنا ، وأَيضا ذكرها إِشارة إِلى أَن وفاءَ العهد مع إِتمام المدة لهم لا يحبهم الله به لأَنهم لم يتقوا الشرك ، والله جل وعلا يحب إِتمام الوعد حتى أَنه من حلف على غير معصية فإِن الله عز وجل اختار له أَلا يحنث إِلا لغرض مهم ، وحتى أَنه من رأَى ميتا فى منامه وأَخبره بشئ أَو أَمره به أَو نهاه واستكتمه الميت فأَنعم له الكتم لم يجز له الإِخبار به لحديث « حرمة موتانا كحرمة أَحيائنا » .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٣٩