سورة التوبة · الآية ٥ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ حَیۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُوا۟ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدࣲۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِیلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ٥
الرسم الإملائيّ

فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

الجزء ١٠الربع ٧٥ صفحة ١٨٧

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 5]

﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴾ التي أبيح فيها للناكثين أن يسيجوا ، سميت أشهر الحرم ، لأنه يحرم فيها على المؤمنين دماء المشركين ، ﴿ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الذين نقصوكم وظاهروا عليكم ، ﴿ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ ﴾ وأسروهم ﴿ وَاحْصُرُوهُمْ ﴾ وقيدوهم ، وامنعوهم من التصرف في البلاد ، ﴿ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ كل ممر ومجتاز ترصدونهم به ، ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر، أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم ، فإنه ما يراد بقتلهم وأسرهم وحصرهم إلا التوبة وأداء الحقوق ، ﴿ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ﴾ لمن تاب ، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ لا يعاجل بالعقوبة .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٤٠

[سورة التوبة — آية 5]

قوله : ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ذكروا عن بعضهم قال : إنه ذكر في أول السورة أهل العهد فقال : ﴿ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ ﴾ من يوم النحر خمسين ليلة إلى انسلاخ المحرم لمن لا عهد له . فأمر الله نبيه إذا مضى هذا الأجل في المشركين ممن لم يكن له عهد فقال : ﴿ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

قال : ﴿ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ فأمر بقتالهم في الحلّ والحرم وعند البيت حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . وأمره في أهل العهد أن يتم لهم عهدهم أربعة أشهر بعد يوم النحر إلى عشر يمضين من ربيع الآخر ، ثم يُقتَلون حيث وَجَدَهم .

قال الحسن : ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ الأشهر الحرم في هذا الموضع الأشهر التي أُجِّلُوا فيها والتي كانوا يَحْرُمون فيها على المسلمين لأنهم في عهد منها ، آخرها عشر ليالٍ يمضين من شهر ربيع الآخر؛ وسمّاها حرماً لأنه نهى عن قتالهم فيها وحرّمه . وقول الكلبي مثل القول الأول ، لهم خمسون ليلة إلى انسلاخ المحرّم ثم يقتلون حيث وُجِدوا .

قال : ﴿ فَإِن تَابُوا ﴾ أي من الشرك ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ أي وأقروا بالزكاة ، لأن من المسلمين من لا تجب عليهم الزكاة ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي يغفر لهم الكفر إذا آمنوا . كقوله : ﴿ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ الأنفال : 38 ] .

وقال بعضهم : في قوله : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ﴾ . . . إلى آخر الآية ، قال : هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمان الحديبية ، وكان عهدهم أن لا إغلال ولا أسلال . فغلّوا نبي الله ونكثوا العهد وظاهروا المشركين على المسلمين .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٤٠

[سورة التوبة — آية 5]

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴾ انقضت ، وأَصل الانسلاخ انتزاع الشئ عما لابسه كانسلاخ الجلد عن الشاة شبه تكون الناس من أَول الشهر إِلى تمام نصف الشهر شيئا فشيئا بالدخول فى اللباس حتى يتم لبسه ، وكنى عن ذلك بلازمه وهو الانسلاخ الموضوع للانتزاع . وهو مستعار للتجرد عن الشهر شيئا فشيئا حتى يتم ، والمراد بالأَشهر الحرم شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وسمى شوال شهرا حراما تغليبا وسهل التخريج على ذلك أَن الانسلاخ جاءَ على آخر الثالثة التى هى شهور حرم ، أَو المراد عشرون من ذى القعدة إِلى تمام عشرة من ربيع الأَول ، أَو عشرون من ذى الحجة إِلى تمام عشرة من ربيع الثانى ، وسمى الكل حرما تغليبا ، أَو كحرمة القتال فيها فى ذلك العام فقط ، وأَل على ذلك كله للعهد منظوراً فيه إِلى قوله أَشهر مع زيادة أَنها حرم ، وقيل : المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ، وهو الأَنسب بجحسب الظاهر ، لأَنهن المشهورة بالأَشهر الحرم ، ولأَن لفظ النكرة إِذا أُعيد آخر كان غير الأُولى ، وقد زيد هنا قيد الحرم فهن غير المذكورة فى قوله ﴿ فسيحوا فى الأَرض أَربعة أَشهر ﴾ لكن يقتضى بقاء تحريم القتال فى رجل وذى القعدةى وذى الحجة ولامحرم بلا نسخ ، لأَن المفهوم إِذا لم ينسلخن فلا قتل ، كلما كن فلا قتل ، وكلما انسلخن كان القتل . وذلك أَنه لا ناسخ لهذا الاستمرار لو ثبت مع أَنهم اتفقوا إِلا قولا ضعيفا على أَنه يحل القتال فيهن ، فالصواب أَن الأَشهر الحرم هى قوله أَربعة أَشهر ، وهن شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، على ما اختاره بعض ، أَو ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، فإِذا انسلخن حل القتال أَبدا فيهن وفى غيرهن بعد ، ولا يخفى أَن المراد هذه الأَشهر من هذه السنة خاصة لا هذه الأَشهر فى كل سنة لأَن الآية بعيدة عن هذا ولا يتبادر منها هذا ، أَو الترتيب بالفاء يأبى هذا أَيضا ، ولأَنه مخالف للسياق الذى يقتضى توالى هذه الأَشهر حتى قيل إِنه مخالف للإِجماع على أَن هذه الأَشهر يحل فيها القتال : رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، والحق أَنه لا إِجماع على حل القتال فيها بل قد قيل ببقاءِ حرمته إِلا إِن قاتلوا ، وعلى النسخ يكون النسخ آية السيف التى نسخت العفو والصفح والإِعراض والمسالمة ، وقال ابن حجر : قاتلوا المشركين كافة ، وقيل هما ، وقيل : الناسخ الإِجماع ، ووجهه أَن الإِجماع إِنما يحصل بحجة من القرآن أَو الحديث ولا نعلم بها ، إِلا أَنك قد علمت أَنه لا إِجماع ، ﴿ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ فى حل أَو حرم ، وفى كل زمان أَيضا أَبدا لأَن عموم المكان يوجب عموم الزمان وبعكس ذلك عند الإِطلاق ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ ائسروهم للاسترقاق ، أَو لتروا فيهم رأيكم ، وأَما الفداء فجاء بعد الإِثخان ، وقيل : لا تسترق العرب ، كما لا تؤخذ منهم جزية ، وللإِمام قتل الأَسرى ﴿ وَاحْصُرُوهُمْ ﴾ عن أَن يتصرفوا فى البلاد لتجر أَو غيره ، وعن المسجد الحرام ، وفى قرية إِن تحصنوا فيها ﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ فى كل موضع رصد ، أَى موضع مراقبة ، وهو موضع سلوكهم ليلا ينبسطوا فى البلاد فتضيق صدورهم فيسلموا ، ونصب كل على الظرفية لاقعدوا ، وفيه دليل جواز نصب اسم المكان الميمى بغير ما يوافقه لفظا ومعنى لأَن نصب كل على الظرفية فرع نصب مرصد الذى هو اسم مكان ميمى عليها ، وقال الأَخفش منصوب على تقدير على ، وضعفوه ، ومثل على فى وهى أَولى من على إِذ هى للظرفية ولعل داعيه لذلك عدم الموافقة المذكورة ، وقيل : يجوز لموافقة المعنى ولو اختلف اللفظ ، فإِن القعود والرصد من معنى واحد وهو قول حسن ، تدل له الآية ، نحو قعدت مجلس عمرو ، وتلك الأَوامر للإِباحة ، ولا يجوز الخروج عن جميعها ، اللهم إِلا بالفداءِ أضو الإِطلاق بحسب نظر الإِمام بعد نزول جوازهما ﴿ فَإِنْ تَابُوا ﴾ من الإِشراك إِلى التوحيد ، ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وصاموا رمضان وأَدوا الفرائض .

واقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما رأس العبادة البدنية والمالية ، فلو وحدوا وقالوا : لا نصلى ولا نؤتى الزكاة ولا نصوم رمضان أَو نحو ذلك لم يخل سبيلهم بل يبقون على القتل والأَخذ والحصر والتضييق عليهم ، فقد جاءَ حديث بقتل تارك الصلاة ولو بلا إِنكار لها ، واحتاطوا له بالاستتابة أَولا ، وأَما قوله صلى الله عليه وسلم : « فإِذا قالوها فقد حقنوا منى دماءَهم » ، فمعنى قالوها دانوا بها ، والضمير لكلمة الشهادة والصلاة والزكاة لأَن فى بعض الروايات : أَمرت أَن أُقاتل الناس حتى يثولوا لا إِله إِلا الله وأَنى رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ويلتحق بهما غيرهما ، واقتصر عليهما لأَن الصلاة عماد الدين ، والزكاة قنطرة الإِسلام ، وزعم أَبو حنيفة أَنه يحبس الموحد التارك للصلاة فلا يقتل ، وقد قال الصديق بقتل مانعى الزكاة وكذا بقتل تاركى الصلاة ، قال صلى الله عليه وسلم : « أُمرت أَن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إِله إِلا الله ، وأَنى رسول الله ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة » ، والقتل على ترك الصلاة أَمكن ، وكذا الصوم بخلاف الزكاة فقد يمكن للإِمام أَخذها قهرا ، فإِذا قال : لا أَصلى قتل ، وإِذا قال : لا أُقضى الفائتة ولا َصوم أَو لا أَقضيه قتل ، وقيل : إِذا قال : لا أَصلى فلا يقتل حتى يخرج وقتها ، وقيل : حتى يبقى أَقل مما يدركها فيه ، ومن ترك الصلاة أَو الزكاة أَو نحوهما إِنكارا فهو مشرك يقتل ﴿ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ﴾ لا تفعلوا بهم شيئا من ذلك ﴿ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ تعليل جملى ، أَى لأَن الله غفور لشركهم بالتوبة ، ويغفر ذنوب كل تائب ، ومنعم لهم بالجنة إِذا تابوا ، ولكل تائب .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٤٠