فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَاۤ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُعَذِّبَهُم بِهَا فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ٥٥
الرسم الإملائيّ
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ
الجزء ١٠الربع ٧٨ صفحة ١٩٦
تفسيرها
﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ ﴾ فإن ذلك استدارج ووبال لهم ، كما قال : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب ، وما يرون فيها من الشدائد ؛ والإعجاب بالشيء : أن يسر به سرورا راض به ، ومعجب من حسنه ؛ والمعنى : فلا تستحسن بما أتوا من زينة ؛ فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم ، ليعذبهم بالمصائب فيها ، وبالإنفاق منها ، وبنهبها وبجمعها وحبها والبخل بها والخوف عليها ، وكل هذا عذاب من حيث أنهم لا يؤجرون عليه ؛ وكل من كان أكثر مالا وأولادا من الموصوفين ، كان أكثر عذابا في الدنيا ، وعدمهما [كذا] عذاب في حق الأكثر من الكافرين ؛ وأما المؤمنون وإن كابدوا أمرها فلا يسمى عذابا ، ويسمى حسنا ، لأن فعلهم فيها حق يثابون عليه ، ويفضي بهم إلى جنات النعيم . ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ وتخرج أرواحهم على الكفر ، من عدم توبتهم ، والثبات على غيهم ، وأصل الزهوق : الخروج بصعوبة ، فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع العاجل عن النظر في العاقبة ، فيكون ذلك استدرجا لهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٠
قوله : ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال الحسن : ليعذّبهم بالزكاة في الحياة الدنيا .
وفي تفسير عمرو عن الحسن : يعني أنهم ينفقون أموالهم ، ويُشخِصون أبدانهم ، ويقتلون أحباءهم وأهل مودتهم من المشركين مع أعدائهم من المؤمنين ، لأنه يسرّون لهم العداوة . وهو كقوله : ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ ﴾ من العداوة والبغضاء ﴿ أَكْبَرُ ﴾ [ آل عمران : 118 ] أي أعظم من الذي بدا من أفواههم .
وقال الكلبي : ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ يقول : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة . فيها تقديم وتأخير . وهذا من خفي القرآن .
قوله : ﴿ وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ ﴾ أي تموت أنفسهم ﴿ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ أي كفر النّفاق .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٠
﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ ﴾ يا محمد أَو يا من يصلح ، على حد لا تشرك بالله ﴿ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ ﴾ الفاء تفريع وسببية ، نهاه عن الإِعجاب بأَموالهم وأَنفسهم وعن أَن يفتن بها لفسقتهم وخصالهم القبيحة المذكورة ، فإِنهم لم يرادوا فيها بخير وإِنما هى استدراج ، ونهى المطلق نهى لأُمته صلى الله عليه وسلم ، والإِعجاب بالشىء استحسانك إِياه سواءٌ أَكان لك أَو لغيرك ، سواءٌ مع الافتخار به أَو دون الافتخار به ، وسواءٌ خصصت به أَم كان مثله لغيرك ، أَيضاً فلا تهم خلافاً لم خصه بما إِذا افتخرت به أَو خصصت أَنت مثلا به ، فإِنه يقال مطلقاً أَعجبنى الشىءُ ، وهو معنى عرفى فى اللغة لا كما قيل أَن أَصل التعجب حيرة للجهل بسبب الشىءِ ، وإِذا صح فقد خرج عن ذلك الأَصل خروجاً شائعاً ، واللفظ نهى للأَموال والأَولاد عن أَن تعجبه ، وهو من نهى الغائب والإِسناد إِلى السبب ، والمراد لا تكترث بها فضلا عن أَن تعجبك كقولك : لا أرينك هنا : أَى لا تكن هنا فضلا عن أَن أَراك؛ وبين الاستدراج بقوله ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ﴾ مفعوله محذوف أَى يريد الله أَن يعطيهم الأَموال والأَولاد ، واللام للتعليل فى قوله تعالى ﴿ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ويجوز جعل مصدر يعذب مفعولا به ليريد على أن اللام صلة ، أَما تعذيبهم بالأَولاد فلاشتغال قلوبهم والاجتهاد فيما يسرهم ويليق بهم ، وفى إِزاحة ما يسؤوهم والحمية عليهم من كل وجه وجمع المال لهم ولجزعهم بموت الأَولاد فى القتال ، إذ لا يرجون لقاءَهم بالبعث لإِنكارهم البعث ، ولا يرجون لهم ولا لأَنفسهم على موتهم وعلى المصيبة بخلاف المؤمن ، فإِنه يرجوا ثواب ذلك ، والشهادة لولده ، وأَما تعذيبهم بالأَموال فلاشتغالهم بجمعها والمحافظة عليها واهتمامهم وتعبهم فيها وما يلاقون من الشدائد فيها ، والمؤمن ولو كان يحصل له ذلك كله بالأَولاد والأَموال لكن لا يرغب فيها لذاتها ، بل ليتوصل بها للآخرة وإِن ذلك فيها تاب وله الثواب على ما يصيبه مما يكره وتخرج نفسه غير كافر ، ومن تعذيبهم بالأَموال والأَولاد خوفهم من سببها لو أَظهروا شركهن وإِعطاءَ ما لهم فى الزكاة ونفقات الجهاد ، بدون أَن يعتقدوا لها ثوابا ولهم مزيد حب فى الأَموال والأَولاد وأُمور الدنيا ، وبدأبها يكون لهم مزيد حزن وشدة ضيق ، وما أَصدق قول بعض :
ومن سره أَن لا يرى ما يسوءُه … فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
وفى متعلق بيعذب لقربه لا بتعجب لبعده والفصل ﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ﴾ أًرواحهم تخرج بصعوبة ﴿ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ فيعذبون بعذاب الآخرة لكفرهم وعدم الاستعداد للآخرة كما عذبوا فى الدنيا .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٠