إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱلۡعَٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ٦٠
الرسم الإملائيّ
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
الجزء ١٠الربع ٧٩ صفحة ١٩٦
تفسيرها
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ ﴾ أي : الزكوات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم ، ﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ الساعين في تحصيلها وجمعها ، ﴿ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ للعطاء ، ﴿ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ ﴾ المديونين في غير معصية ، ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ في الجهاد ، ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ المسافر المنقطع عنه ما يكفيه في سفره ؛ ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ ﴾ أي : واجب منه ﴿ وَاللّهُ عَلِيمٌ ﴾ بالمصلحة ، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما قسم ، يضع الأشياء مواضعها .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٥
قوله : ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .
فالفقير : الذي به زمانة ، أي عاهة في بعض جسده ، وهو محتاج . والمسكين : الذي ليست به زمانة وهو محتاج . والعاملون عليها ، أي على الصدقات الذين يسعون في جمعها . والمؤلفة قلوبُهم : قوم كانوا يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم ليُسلِموا؛ منهم أبو سفيان ابن حرب ، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، والحارث بن هشام ، وصفوان بن أمية ابن خلف ، وسهيل بن عمرو ، والأقرع بن حابس ، أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ أعطى أبا سفيان ورهطاً معه مائة مائة من الإِبل ، وأعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن خمسين خمسين من الإِبل . وفي الرقاب ، يعني المكاتَبين ، والغارمون : قوم عليهم دين [ أو غرم ] من غير فساد . وفي سبيل الله؛ يُحمل من ليس له حملان ويعطى منها . وابن السبيل : الضيف والمسافر إذا قُطع به وليس له شيء جعل الله له فيها نصيباً . قال بعضهم : ويُحمل في سبيل الله من الصدقة ، ويعطى إذا كان لا شيء له ، ثم يكون له سهم مع المسلمين .
ذكروا أن علياً وابن عباس قالا : إنما هو عَلَم جعله الله ، ففي أي صنف منهم جعلتها أجزأك .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان ، والتمرة والتمرتان ، ولكن الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس إلحافاً »
ذكروا عن الحسن قال : ليس للعاملين عليها ولا للمؤلفة قلوبهم اليوم شيء ، إلا ما جعل الإِمام للعاملين عليها . وكان يقول : ليست بسهام تقرع ، ولكن على ما يرى الإِمام ، فربما كان بنو السبيل قليلاً والفقراء كثيراً . وربما كان الفقراء كثيراً والمساكين كثيراً . وكذلك المكاتَبون والغارِمون . وإنما هو على ما يرى الإِمام من كثرتهم وقلّتهم وفقرهم .
قال : ﴿ وَفِي سَبِيلِ الله ﴾ إذا لم يسعهم الفيء رُضِخَ لهم من الصدقة .
﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ : الرجل المنقطع به في الأرض ، فإنه يُرضخ له من الصدقة ، وإن كان في أرضه ذا مال كثير ، ولا يكون ذلك ديناً عليه .
ذكر بعض السلف قال : إن حقاً على الناس إذا جاءهم المصدّق أن يرحِّبُوا به ، وأن يُطعموه من طعامهم ، فإن أخذ الصدقة على وجهها فسبيلٌ ذلك ، وإن تعدّى لم يضرّ إلا نفسه ، وسُيخلِف الله عليهم .
ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المتعدي في الصدقة كمانعها »
ذكروا أن عقبة بن عامر الجهني قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً ، فاستأذنته أن نأكل من الصدقة فأذن لنا .
ذكروا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا ساعياً فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيجعلها في فقرائنا؛ وكنت غلاماً فأعطاني منها قلوصاً .
ذكروا أن أول مكاتب كوتب في الإِسلام أبو مؤمل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعينوا أبا مؤمل » فأعطي حتى فضل منه فضلة من مكاتبته ، فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أنفقتها في سبيل الله » .
ذكروا أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري فقال : إني رجل مكاتب ، فَحُثَّ عليَّ الناسَ . قال : فَحَثَّ أبو موسى عليه الناس . فألقى إليه من الدراهم والثياب حتى قال ، حسبي . فانطلق إلى منزله فوجد معه فضلة ثلاثمائة درهم . فسأل عن ذلك أبا موسى الأشعري ، فأمره أن يجعلها في مثله من الناس .
ذكروا أن مكاتباً كان في عهد علي تُصُدِّقَ عليه ، ففضل عن مكاتبته فضل ، فأمره علي أن يجعله في المكاتَبين .
قال : وكذلك الغارمون الذين لزمهم دين من غير فساد ، يجمع لهم من الصدقة ويأخذون منها كفاف ديونهم . فإن أعطوا أكثر من ذلك حتى تفضل في أيديهم منه فضلة ردوا تلك الفضلة على مثلهم في مثل حالهم .
وسئل بعض السلف عن الرجل العالم الفقيه الذي قد اتخذه المسلمون سلفاً وإماماً ، فاستقل بأمور المسلمين والنظر في حوائجهم ، وهو فقير ، هل ينظر المسلمون له نظراً يُغْنونه عن المسألة ، ويفضِّلونه على من سواه ممن لم يحتمل من أمور المسلمين ما احتمل؟ فقال نعم . وهل ينبغي للمسلمين إلا هذا؟ وهل يجوز لهم أن يحتاج فيهم مثل هذا؟ وقد كان عمر بن الخطاب يفضل أهل الفضل في الإِسلام ، ويخصُّهم من الصدقة والفيء بما لا يخص به غيرهم لما يحتملون من أمور المسلمين ، ويشغلون أنفسهم بحوائج المسلمين عن حوائجهم . فأهل أن يُفضّلوا ، وأهل أن يُشرَّفوا ، وأهل أن ينظر لهم المسلمون بما يسعهم ويقوتهم ويقوت عيالهم .
قوله : ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ الله ﴾ أي : لهؤلاء الذين سمّى في هذه الآية . وذلك في جميع الزكاة ، في الذهب والفضة والماشية والثمار والحبوب والزروع . ﴿ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ عليم بخلقه ، حكيم في أمره .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٥
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﴾ من الغنيمة وغيرها والمعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويأْخذون من يده ، ولكن ذكر الله نفسه لتعظيم رسوله والتنبيه على أَن الإِعطاءَ جرى على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء الله وأَمره ، فما فعله حق لا ريبة فيه ولا اعتراض عليه . ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ ﴾ كافينا الله فى أُمورنا كلها كما دل عليه عدم ذكر ما فيه الكفاية ، ودخل العطاءُ بالأَولى ﴿ سَيُؤْتِيناَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ﴾ من غنيمة أُخرى أَو صدقة أُخرى أَو ما شاءَ الله عز وجل ﴿ إِنَّا إِلى اللهِ رَاغِبُونَ ﴾ فى أَن يعطينا ما يكفينا ، أَو يقينا عن أَموال الناس ، وإِنا راغبون فى أَن نكون من أَولياءِ الله وأَهل السعادة لا فى المال ، مر عيسى عليه السلام بقوم يذكرون الله . قال : ما الباعث لكم؟ قالوا : الخوف من عقابه . قال : أَصبتم ، ومر بقوم مشتغلين بالذكر فسأَلهم فقالوا : لا للجنة ولا للنار ، بل لإِظهار عبوديتنا عزة الربوبية وتشريد القلب بمعرفته واللسان بذكره وذكر صفاته ، فقال : أَنتم المحقون ، وجواب لو محذوف ، أَى لكان خيراً لهم ، وحذفه يذهب السامع فيه كل مذهب ممكن ، كأَنه لا يحاط بمضمونه ، ورد الله عليهم سخطهم فى أَمر الزكاة ، وصوب فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأَنهم ليسوا أَهْلاً وإِنما هى لإِصلاح الدين وأَهله وإِنما أَهلها من فى قوله تعالى :
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ﴾ الزكوات ﴿ لِلْفُقَرَاءِ ﴾ ما الصدقات ثابتات أو مصروفات إِلا للفقراء ، والقصر قصر موصوف على صفة قصر إِفراد لأَن هؤلاءِ المنافقين يشركون أَنفسهم فى الزكاة ، فأَفردها الله عز وجل عنهم إِلى الثمانية ، ويجوز صرفها فيهم أَو فى بعضهم ولو إِنساناً واحداً ، وإِن قل المال صرف فى نوع واحد أَو فى فرد واحد وما فوق ذلك بحسب الصلاح ، ويقدم الأَهم فالأَهم ، وقيل : لا بد من صرفها فيهم كلهم فى ثلاثة فصاعداً من كل ، ويدل للأَول أَنه صلى الله عليه وسلم أَتاه مال من الصدقة فجعله فى المؤلفة قلوبهم ، وأَتاه مال آخر فجعله فى الغرماء ، وكان الحرف لاماً فى الأَربعة الأُولى لمجرد الاختصاص لأَنهم يأْخذون تملكاً وفى الأَربعة الأُخْرى فى للإِيذان بأَنهم أَرسخ فى الاحتياج ولأَن ما يأْخذونه للصرف فى غيرهم لا لمطلق التملك ، حتى قال بعض إِنه يعطى السيد لا المكاتب ، ولعله قول من قال إِنه عبد صالح يقضى ، وفى أَبى داود عن زياد بن الحارث الصدائى أَتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته ، فأَتاه رجل فقال : أَعطنى من الصدقة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِن الله تعالى لم يرض بحكم شىءٍ ولا غيره فى الصدقة حتى حكم هو فيها »
فجزأَها ثمانية أَجزاءٍ فإِن كنت من تلك الأَجزاءِ أَعطيتك حقك ﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ أَما الفقير فمن ليس له شىء يصرفه فيما يحتاج إِليه ، كأَنه كسرت فقار ظهره فى الشدة والكرب ولم يكسب مالاً كما لا يكسبه من كسرت فقاره ، والمسكين من له مال أَو كسب لا يكفيه ، ومع ذلك كأَنه ساكن لا يتحرك للعجز ، أَو السكون معنوى ، ويدل لذلك قوله : « أَما السفينة » إِلخ ، سماهم مساكين مع أَن لهم سفينة وأَنه صلى الله عليه وسلم يسأَل المسكنة فى قوله : « اللهم أَحينى مسكينا وأَمتنى مسكينا واحشرنى فى زمة المساكين » أَى من قل ماله وتواضع لله عز وجل ، وأَنه يتعوذ من الفقر فى قوله : « اللهم إِنى أَعوذ بك من الفقر » . وقوله « كاد الفقر يكون كفراً » ، فكيف يتعوذ من الفقر ويسأَل ما دونه ، فهو أَشد حالا من المسكين ، ويقال : قيل لهم مساكين ترحماً ، وقيل بالعكس المسكين من ليس له شىءٌ إِلى آخر ما مر ، والفقير من له مال إِلخ ، لقوله تعالى : ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ أِى كملتصق بالتراب من شدة الحاجة ، قيل أَو ستر جسده فى التراب لعدم ما يلبسه ، وأُجيب لهذا القول بأَن السفينة بالعارية أَو بالأُجرة لا بالملك ، ومن فى يده شىءٌ نسب إِليه ولو لم يملكه ، وكونها ملكا لهم يوجب أَنهم أَغنياء ، ومن له النصاب غنى لقوله صلى الله عليه وسلم : « أُمرت أَن آخذ الزكاة من أَغنيائهم » وقد يقال بكثرتهم ، أَو بقلة ثمنها فليسوا بأَغنياءَ . ولو ملكوها ، وأَيضا هى آلة ولا زكاة فى الآلة ولو عظمت قيمتها ما لم يجعلها للبيع ، كما لا زكاة فى ديار تكرى عظم كراؤها ، وإِنما يزكى الكراء ، وإِذا صرنا إِلى الاشتقاق فإِنه يقال فقرت له أَى فرضت له قطعة من المال ، وأُجيب عن الاستعاذة من الفقر أَن المراد به فقر النفس ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « إِنما الغنى غنى النفس » وقيل : هما سواءٌ ، فكأَنه قيل إِنما الصدقة لمن اتصف بالفقر والمسكنة فإِن أَوصى لزيد والفقراءِ والمساكين ، فلزيد النصف ولهما النصف ، وعلى القولين الأَولين فله الثلث ولهما الثلثان ، ويقال : لا تحل الزكاة لمن يحل له السؤَال ، وهو من له خمسون درهما ، فقد عده صلى الله عليه وسلم غنياً كما فى حديث ابن مسعود ، أَو من له أَربعون درهما كما فى حديث أَبى سعيد أَنه غنى ، ويجمع بينهما بأَن المراد التمثيل لما يكفى ، والأَكثرون على أَن لا يعطاهه من له ما يكفيه وعياله سنة ، وقيل لا يعطاها من له مائتا درهم . قال ابن مسعود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسأَلته فى وجهه خموش أَو خدوش أَو كدوح »
قيل : يا رسول الله وما يغنيه؟ . قال : « خمسون درهما أو قيمتها من الذهب » وعن أَبى سعيد الخدرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سأَل وله قيمة أُوقية فقد أَلحف » ﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ من يجمعونها من أَصحاب الأَموال ومن يقسمها ومن يكتبها ومن يحرزها ومن يحسب ومن يحشر من يستحقها ومن يسعى فيها بوجه سواء دخل القرى أَو البدو أَو رصد أَصحاب الأَموال على الطرق وعداه بعلى لتضمين معنى القائمين عليها بأَخذها من ذوى الأَموال ويعطونها ولو كانوا أَغنياءَ بقدر تعبهم ، وإِن استغرقها عناؤهم ، قيل : أخذوا النصف أَو أَقل ، ولا يستعمل فيها مشرك ولا خائن ولا عبد ولا هاشمى ، وقيل : يجوز لهاشمى ويأْخذ من غير الزكاة عناءَه وأُجيز منها على كراهة ، والصحيح أَن الهاشمى أَو المطلبى لا يكون عاملا على الصدقات لما روى عن أَبى رافع أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بنى مخزوم على الصدقة فأَراد أَبو رافع أَن يتبعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تحل لنا الصدقة وإِن مولى القوم منهم » ﴿ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ الذين أُريد تأْليف قلوبهم إِلى الإِسلام ضعف إِيمانهم فيعطون ولو أَغنياءَ ليقوى ، أَو أَشركوا فيعطون ليسلموا ، قيل : أَو أَسْلموا أَو قوى إِسلامهم فيعطون ولو كانوا أَغنياءَ ليسلم نظراؤهم . قلت : هذا جائز لكن لا يصدق عليهم أَنهم مؤلفة قلوبهم . قيل : ومن أَسلم وكان يذب عن الإِسلام فى أَطراف بلاد الإِسلام ، يعطون ولو أَغنياءَ . قلت : هذا جائِز لكن لا يصدق عليهم أَنهم مؤلفة قلوبهم وأَشراف يترقب إِسلامهم فيعطون ليسلموا فيسلم نظراؤهم أَو أَتباعهم ، وقوم من منعوا الزكاة لا يقدرون بلا مال على قتال من منعها وفى ذهاب الجيش إِليهم مؤنة ، فيعطون ليقاتلوهم حتى يعطوها ويعطى المشركون ليقاتلوا المشركين ، وقد أَعطى صلى الله عليه وسلم صفوان بن أُمية لما رأَى فيه من الميل إِلى الإِسلام ، وقد عد من المؤلفة ، ومن يؤلف قلبه بشىءٍ على قتل الكفار ، وأَعطى عيينة والأَقرع والعباس بن مرداس . ولا يعطى كفار يخافون شرهم لو أَعطوا لانكفوا ، وقيل لا يعطى بعده صلى الله عليه وسلم كافر ليسلم أَو يذب عن الإِسلام ، وقيل : فيمن ضعف إِسلامه ومن يؤلف ليسلم نظراؤه وهو شريف فى قومه لا يعطون ، وقيل : يعطون من سهم المصالح . وقيل : يعطى من يميل إِلى الإِسلام أَو يخاف شره من خسم الخمس من الغنيمة ، وقيل فيمن يجاهد من يليه من الكفار أَو من مانعى الزكاة يعطى من خمس الخمس ، قيل أَو من سهم المؤلفة وقيل من سهم الغزاة . وقيل : بطل سهم المؤلفة قلوبهم لما قوى الإِسلام ، كما روى عن عمر أَنه أَبطل كتابة الصديق إِليه بإِعطاءِ الأَقرع والعباس بن مرداس وقال : قوى الإِسلام ، اثبتوا على الإِسلام أَو تقتلوا ، ورجع إِلى قوله الصديق ، فأَولا كان إِعزاز الإِسلام بتأليفهم وفى الوقت إِعزازه بمنعهم إِظهاراً لاستغناءِ الإِسلام عنهم ، ولم يبطل الإِرمال بعد زوال خوف أَن يظن المشركون الضعف بالمؤمنين لأَنه صلى الله عليه وسلم أَبقاه ، وقيل : بطل فانظر وفاءَ الضمانة .
﴿ وَفَى الرِّقَابِ ﴾ أَى ومصروفة فى الرقاب ، وبهذا يترجح أَن يقدر مصروفة فى قوله للفقراءِ فيناسب ما هنا لكن لا مانع أَن يقدر هنا ثابتة كما هنالك ، لأَن الرقاب وما بعدها محل لها فهى ثابتة فى محلها . هذه الأِربعة ، ومعنى كونها فى الرقاب أَن يعطى منها المكاتبون ويفدى الأَسرى ويشترى بها عبيد ليسلموا ويعينوا المسلمين فى القتال ، أعتقوا أو لم يعتقوا أو يشترى عبيد موحدون فيعتقوا . وقال أَبو حنيفة وأصحابه : لا يعتق بها رقبة كاملة ، بل يعطى فى بعضها ، ولا فى مكاتب ، بل يعان ويعطى المكاتب لا لسيده فيؤدى لسيده لأنه حر من حينه على الصحيح ، وقيل هو عبد ما لم يقض ، وعن ابن عباس : لا بأْس أَن يعتق الرجل من الزكاة ، وقال أصحاب الشافعى : الأَحوط أَن تعطى سيده ، وكانت الأربعة الأُولى والأُخرى بفى لأَن الأَولين استحقوها لذواتهم الموصوفة والآخرين استحقوها لجهة حاجتهم ، فالرقبة لتقضى دين الكتابة أَو لتحصيل عقد الكتابة ، والغارم ليقضى ما عليه ، وابن السبيل ليصل بها أَهله أَو للإِعلام بأَنهم أَحق فهى راسخة فيهم ﴿ وَالْغَارِمِينَ ﴾ الذين عليهم ديون لأَنفسهم فى غير معصية ولا إِسراف إِذا لم يكن لهم وفاءٌ من مال أَو لإِصلاح بين الناسن ولو كانوا أَغنياءَ ، قال بعضهم أَو لمعصية أَو إِسراف إِن تابوا نصوحا ، به قال النووى ، ووجه المنع أَنه متهم فى إِظهارها ويبحث بأَنه قد لا يرتاب ولا يعطى هذا أَكثر مما عليه ، وقيل : يعطى مالا يكون به غنياً ، وقيل : إِن ملك نصابا زائداً عن دينه لم يعط ويقدم الغريم على الفقير ، وفى الحديث « لا تحل الصدقة لغنى إلا لغازٍ فى سبيل الله أو لغارم أَو لرجل اشتراها بماله ، أَو رجل صارت إِليه مما حلت له بالصدقة أَو الهدية أَو القرض أَو بالإِرث أَو الهبة أَو مثل ذلك أَو لعامل لأَنها له أجرة » ، وقيل المراد بغنى الغازى صحة بدنه ، والواضح جوازها لغازٍ له مال لدخلوه فى سبيل الله ، وتعطى المرأَة الزكاة ولو كان زوجها غنيا ، إِذا كان عليها دين إِذ لا تدرك عليه قضاءَه وتبيع من حليها وتبقى قليلا تتزين به لزوجها وإِن لم يف ما باعت بالدين ، أَخذت زكاة لتقضيه وهى داخلة فى الغارمين ، ويعطيها زوجها زكاة ماله ، إِذا كان عليها دين ولا مال لها ﴿ وَفِى سَبِيل اللهِ ﴾ الجهاد ولو لغنى يعطى منها زاداً أَو مركباً وسلاحاً وما يحتاج إِليه ، ولو كان له مال كما قال صلى الله عليه وسلم :
« الصدقة تحل للغازى الغنى » وأَعاد فى تعظيمها للجهاد ، وقيل سبيل الله شامل لإصلاح الطرق وبناءِ القناطر ومواضع الماءِ كالسكة ، والأَولى تفسيره بالسعى فى طاعة الله تعالى ، وسبل الخير ، ولا بد أَن يكون فقيراً فذكره تخصيص بعد تعميم للمزية ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ المتقطع عن ماله بسفره فى حج أَو عمرة أَو طلب علم أَو غير ذلك من أَنواع الطاعات ، أَو فى المباح ، قيل أَو فى المعصية ، إِن تاب نصوحا ، ولو كان ابن السبيلِ غنيا فى بلده ، ومثله من هو فى بلده وله ديون لم يحل أَجلها أَو حل أَجلها لكن على مفلس أَو على منكر ولا بيان له ، أَو على لا يقدر ولا تحل له حتى يحلف منكره ، وكذا لو كانت له بينة غير عادلة وأَنكر ، وأُجيزت للمرأَة إِن كان لها على زوجها ولم يقدر أَن يعطيها إِلا بعد الارتفاع إِلى القاضى ، فتأْخذ ولا ترفعه سواءٌ مهرها أَو غيره ، وذكر بعض أَن من له دين أَن يأْخذ ما يوصله إِلى حلول أَجله فقط ، إِن كان يصل إِلى أَخذه بعد حلوله . وقيل : من له دين لا يأْْخذها إِن كان يصل إِلى أَخذه إِاذ حل . ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ﴾ فرضها الله فريضة وهى بمعنى المصدر أَو منصوب بمعنى إِنما الصدقات إِلخ ، لأَن معناه فرض الله الصدقات لهؤلاءِ أَو حال من المستتر فى للفقراءِ ﴿ وَاللهُ عَلِيمٌ ﴾ بالصواب والمصالح وكل شىءٍ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فى صنعه لا يجوز ولا يسفه ، يضع الزكاة فى مواضعها ، واتبعوا ما وضعه للزكاة من محالها فلا تصرف فى غير ما ذكر من محالها ، والمذهب أَنه لا يجب صرفها فى الثمانية كلها بل فى الموجود منهم ، ولا تخبأْ لغائب مخصوص ، ويجوز تفضيل بعض على بعض والعامل قد عمل فله أُجرته إِن غاب بعد عمله و « أَل » للحقيقة ، فلا يجب إِعطاءُ ثلاثةٍ من كل صنف كما لا يجب استغراق كل صنف وإِنما أَوجبت الآية أَن لا تخرج عن الأَصناف الثمانية لا أَن تعم أَو تستغرق ، والنظر إِلى الإِمام فى ذلك ، ولا تعطى لبنى هاشم ولا لبنى المطلب ، وأَما بنو عبد الملطب فمن بنى هاشمن والمطلب هاشم أَخوان إِن تعطلت الغنائم أُعطى من الزكاة محتاجو بنى هاشم وبنو المطلب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٥