تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة التوبة

الجزء التوبة · صفحة ٠
[سورة التوبة — آية 60]

قوله : ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

فالفقير : الذي به زمانة ، أي عاهة في بعض جسده ، وهو محتاج . والمسكين : الذي ليست به زمانة وهو محتاج . والعاملون عليها ، أي على الصدقات الذين يسعون في جمعها . والمؤلفة قلوبُهم : قوم كانوا يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم ليُسلِموا؛ منهم أبو سفيان ابن حرب ، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، والحارث بن هشام ، وصفوان بن أمية ابن خلف ، وسهيل بن عمرو ، والأقرع بن حابس ، أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ أعطى أبا سفيان ورهطاً معه مائة مائة من الإِبل ، وأعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن خمسين خمسين من الإِبل . وفي الرقاب ، يعني المكاتَبين ، والغارمون : قوم عليهم دين [ أو غرم ] من غير فساد . وفي سبيل الله؛ يُحمل من ليس له حملان ويعطى منها . وابن السبيل : الضيف والمسافر إذا قُطع به وليس له شيء جعل الله له فيها نصيباً . قال بعضهم : ويُحمل في سبيل الله من الصدقة ، ويعطى إذا كان لا شيء له ، ثم يكون له سهم مع المسلمين .

ذكروا أن علياً وابن عباس قالا : إنما هو عَلَم جعله الله ، ففي أي صنف منهم جعلتها أجزأك .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن المسكين ليس بالطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان ، والتمرة والتمرتان ، ولكن الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس إلحافاً »

ذكروا عن الحسن قال : ليس للعاملين عليها ولا للمؤلفة قلوبهم اليوم شيء ، إلا ما جعل الإِمام للعاملين عليها . وكان يقول : ليست بسهام تقرع ، ولكن على ما يرى الإِمام ، فربما كان بنو السبيل قليلاً والفقراء كثيراً . وربما كان الفقراء كثيراً والمساكين كثيراً . وكذلك المكاتَبون والغارِمون . وإنما هو على ما يرى الإِمام من كثرتهم وقلّتهم وفقرهم .

قال : ﴿ وَفِي سَبِيلِ الله ﴾ إذا لم يسعهم الفيء رُضِخَ لهم من الصدقة .

﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ : الرجل المنقطع به في الأرض ، فإنه يُرضخ له من الصدقة ، وإن كان في أرضه ذا مال كثير ، ولا يكون ذلك ديناً عليه .

ذكر بعض السلف قال : إن حقاً على الناس إذا جاءهم المصدّق أن يرحِّبُوا به ، وأن يُطعموه من طعامهم ، فإن أخذ الصدقة على وجهها فسبيلٌ ذلك ، وإن تعدّى لم يضرّ إلا نفسه ، وسُيخلِف الله عليهم .

ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المتعدي في الصدقة كمانعها »

ذكروا أن عقبة بن عامر الجهني قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً ، فاستأذنته أن نأكل من الصدقة فأذن لنا .

ذكروا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا ساعياً فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيجعلها في فقرائنا؛ وكنت غلاماً فأعطاني منها قلوصاً .

ذكروا أن أول مكاتب كوتب في الإِسلام أبو مؤمل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعينوا أبا مؤمل » فأعطي حتى فضل منه فضلة من مكاتبته ، فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أنفقتها في سبيل الله » .

ذكروا أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري فقال : إني رجل مكاتب ، فَحُثَّ عليَّ الناسَ . قال : فَحَثَّ أبو موسى عليه الناس . فألقى إليه من الدراهم والثياب حتى قال ، حسبي . فانطلق إلى منزله فوجد معه فضلة ثلاثمائة درهم . فسأل عن ذلك أبا موسى الأشعري ، فأمره أن يجعلها في مثله من الناس .

ذكروا أن مكاتباً كان في عهد علي تُصُدِّقَ عليه ، ففضل عن مكاتبته فضل ، فأمره علي أن يجعله في المكاتَبين .

قال : وكذلك الغارمون الذين لزمهم دين من غير فساد ، يجمع لهم من الصدقة ويأخذون منها كفاف ديونهم . فإن أعطوا أكثر من ذلك حتى تفضل في أيديهم منه فضلة ردوا تلك الفضلة على مثلهم في مثل حالهم .

وسئل بعض السلف عن الرجل العالم الفقيه الذي قد اتخذه المسلمون سلفاً وإماماً ، فاستقل بأمور المسلمين والنظر في حوائجهم ، وهو فقير ، هل ينظر المسلمون له نظراً يُغْنونه عن المسألة ، ويفضِّلونه على من سواه ممن لم يحتمل من أمور المسلمين ما احتمل؟ فقال نعم . وهل ينبغي للمسلمين إلا هذا؟ وهل يجوز لهم أن يحتاج فيهم مثل هذا؟ وقد كان عمر بن الخطاب يفضل أهل الفضل في الإِسلام ، ويخصُّهم من الصدقة والفيء بما لا يخص به غيرهم لما يحتملون من أمور المسلمين ، ويشغلون أنفسهم بحوائج المسلمين عن حوائجهم . فأهل أن يُفضّلوا ، وأهل أن يُشرَّفوا ، وأهل أن ينظر لهم المسلمون بما يسعهم ويقوتهم ويقوت عيالهم .

قوله : ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ الله ﴾ أي : لهؤلاء الذين سمّى في هذه الآية . وذلك في جميع الزكاة ، في الذهب والفضة والماشية والثمار والحبوب والزروع . ﴿ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ عليم بخلقه ، حكيم في أمره .

١٬٢٩٥ / ٦٬٢٣٦