وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱلنَّبِیَّ وَیَقُولُونَ هُوَ أُذُنࣱۚ قُلۡ أُذُنُ خَیۡرࣲ لَّكُمۡ یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَیُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِینَ وَرَحۡمَةࣱ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ٦١
الرسم الإملائيّ
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الجزء ١٠الربع ٧٩ صفحة ١٩٦
تفسيرها
﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ يسمع كل ما يقال له ، ويصدقه . سمي بالجارحة للمبالغة ، كأنه من فرط استماعه صار آلة للسماع ؛ كما سمي الجاسوس عينا ؛ وإيذاهم له وهو قولهم . (( هو أذن )) قصدوا به المذمة ، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرة ، ففسره الله تعالى بما هو مدح له وشاء عليه فقال : ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ كقوله : رجل صدق ، يريد الجودة والصلاح ؛ كأنه قيل : نعم هو أذن ، ولكن نعم الأذن ؛ ويجوز أن يريد هو أذن في الخير والحق ، وفيما يجب سماعه وقبوله ، وليس بأذن في غير ذلك ؛ ثم فسر كونه أذن خير بأنه ﴿ يُؤْمِنُ بِاللّهِ ﴾ أي : يصدق بالله لما قام عنده من الأدلة ، ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ويقبل من المؤمنين الخلص وعدي فعل " الإيمان " بالباء إلى الله ، لأنه قصد به التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به ، وإلى المؤمنين باللام ، لأنه قصد السماع من المؤمنين ، وأن يسلّم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صادقين عنده ، ألا ترى إلى قوله : ( وما أنت بمؤمن لنا ) كيف ينبو عن ينبؤ عن الباء . ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ﴾ أي : هو رحمة للمؤمنين حيث استنقذهم من الكفر إلى الإيمان . ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الدارين ، كأن الرسول لما كان رحمة للمؤمنين ، كان عذابا للمنافقين ، من حيث استحقوا العذاب بإيذائهم له ومخالفتهم إياه ؛ ويحتمل أن نفس الإيذاء يكون عذابا لهم من قبل اشتغالهم بشيء يضرهم ولا ينفعهم ؛ وبذلك صاروا عبيدا مسخرين للشيطان لعنه الله .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٦
قوله : ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ يعني المنافقين .
قال الحسن : كانوا يقولون : ما هذا الرجل إلا أذن ، من شاء صرفه حيث شاء ، [ ليست له عزيمة ] فقال الله : ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾ أي : هذا الرجل الذي تزعمون أنه أذن ، خير لكم . ﴿ يُؤْمِنُ بِالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ أي يصدق الله ويصدق المؤمنين ] ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ ﴾ أي : وهو رحمة للذين ءامنوا منكم . أي إنه رحمة للمؤمنين ، رحمهم الله بها واستنقذهم من الجاهلية وظلمتها إلى النور ، وأنقذهم من النار إلى الجنة .
وقال مجاهد : ﴿ ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ أي : سنقول له فيصدّقنا . يعني المنافقين يقولون : نحلف له فيعذرنا . وبعضهم يقرأها : قل اذنٌ خيرٌ لكم . أي : هو أذن خيرٌ لكم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٦
﴿ وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ ﴾ بكلام السوءِ كالجلاس بن عمرو ( بالضم والتخفيف ) ووديعة بن ثابت أَخو أُمية بن زيد بن عمرو بن عوف ، وقيل الجلاس بن سويد بن صامت . ورفاعة بن عبد المنذر ونبتل بن الحرث ، وكان آدم أحمر العينين أَسفع الخدين مشوه الخلقة نماما عنه صلى الله عليه وسلم إِلى المنافقين . قال صلى الله عليه وسلم : من أَراد أَن ينظر إِلى الشيطان فلينظر إِلى نبتل بن الحرث ، يؤذونه صلى الله عليه وسلم بما يكره من القول مثل أَن يقولوا : يعطى قريشا ويتركنا ولو لم يفعل أَو فعل لحكمة أَو جاءَ هو وأَصحابه فغزوا بنا ولا يعرف لنا حقا ، وهم كاذبون ، وكقول وديعة بن ثابت : إِن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير ، ولما قال هذا قال له عامر بن قيس وهو غلام : والله إِنه لصادق وأَنت شر من حمارك ، فأَخبر الغلام بذلك ، فقالوا : لم نقل ، إِنه غلام لم يعرف ما يقول . فجعل الغلام يبتهل : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب ، فنزلت الآية ، ومن ذلك قولهم : سمن كلبك يأْكلك . بمعنى أَنهم قاموا به صلى الله عليه وسلم ، فرجع عليهم ، وقولهم : لو كان نبيا لعلم أَين ناقته ، فإِذا قال بعضهم لبعض لا تقولوا فإِنه يصله الخبر فيقع بنا الجلاس ( بالجيم ) وقيل نبتل أَو غيره : نقول ما شئنا فنحلف بالله وننكر القول فيصدقنا ، فإِنه يقبل إِنكارنا ويصدق لقلة رأْيه أَو كثرة كرمه واحتماله كما قال الله عز وجل ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾ كثير السماع أَى القبول لاعتذار المعتذر ، ولو كان المعتذر كاذباً حتى كأَنه نفس الأُذن ، كما يسمى الجاسوس عينا لكثرة مراقبته بعينه ، نكذب ونعتذر ويقبل اعتذارنا ، خاف بعض المنافقين أَن يخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بما يقولون فيعاقبهم ، فأَجابه الباقون بأَنه أُذن يقبل اعتذارنا ولو كذبنا فيه ، يقال قالوا هو أَذن سامعة من إِطلاق اسم الجارحة على صاحبها لكثرة فعله بها ، لكن المراد هنا القبول وفى هذا نكتة زائدة على مطلق تسمية الكل باسم الجزء ، وقيل شبه بالأُذن فى أَنه ما فيه تمييز بين الحق والباطل ، بل سمع فقط ما يليق وما لا يليق ، وقدر بعضهم مضافا أَى ذو أُذن ويجوز أَن يكون أُذن مصدر أَذن ( بفتح الهمزة وكسر الذال ) أِى سمع وكأَنه نفس السماع ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ أَى هو أَى النبى ، أَى أَنا أُذن خير لكم يسمع الوحى لكم وهو منفعة لكم ، ويصدق المؤمنين المخلصين ، أَو الإِضافة بمعنى فى ، أَى أُذن فى الحير ولوح بأَن المنافقين أُذن شر يسمعون كلام الله تعالى وكلام المؤمنين ، ويكذبون بما سمعوا ، ويدل على معنى فى قراءَة حمزة بجر رحمة فإِنه لا معنى لها سوى أَنه أُذن فى الرحمة كذا قيل ، ويبحث بجواز أَنه أُذن رحمة على حكايتها عن الله عز وجل أَثبت الله أَنه أُذن خير لا على ما قالوا مجرد كلام أَو قلة رأْى وتجربة ، فذلك قول بالموجب ، وهو حمل لفظ على خلاف مراد لافظه كبيت البديع :
قلت ثقَّلت إِذ أَتيت مراراً … قال ثقَّلت كاهلى بالأَيادى
وقول القبعثرى : مثلك يحمل على الأَدهم والأَشهب . أَراد الفرس لما قال له الحجاج : لأَحملنك على الأَدهم ، أَى القيد من الحديد . وقال : ويلك أَردت الحديد . فقال : مثلك يحمل على الحديد والبليد ، وبين ذلك بقوله ﴿ يُؤْمِنُ ﴾ يصدق ﴿ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يذهم ويسلم ( بضم الياء وفتح السين وكسر اللام مشدداً ) كقوله تعالى ﴿ أنؤمن لك ﴾ وقوله ﴿ آمنتم له قبل أن آذن لكم ﴾ أَى يذعن لما قال المؤمنون بالتصديق ، وأَما قبوله عذركم فاحتمال ومعاملة بالحسنى لكم ، واللام للتعدية ولا وجه ليست فيه وإِضافة الأُذن للخير لأَن السماع بالخير يكون بالأُذن ، أَو من إِضافة الموصوف إِلى الصفة كقولك رجل عدل ، إِذا أَضفت رجلا للعدل وأَردت بالعدل الوصف لا المصدر . ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾ عطف على أُذن أَى هو رحمة لمن أَظهر الإِيمان يأْخذ بظاره قوله ولا يفتش عن سره ولو كان كاذباً ، لرفقه بهم لعلهم يخلصون الإِيمان ، ومن للبيان والمراد ورحمة لكم أَو للتبعيض العام لهم كلهم على سبيل البدلية ، وسمى حالهم إِيمانا مجاراة لهم ، إِذ زعموا أَنهم آمنوا أَو المراد أَظهروا الإِيمان ، وقيل المراد المخلصون على أَن من للتبعيض بمعنى أَن المنافقين يزعمون أَنهم مؤمنون ولا يتبادر هذا . ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ ﴾ بأَلسنتهم كغيرها ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ لإيذائهم إِياه مع إِحسانه إِليهم بالستر لهم وبتبليغ الوحى ، وقد يؤذى صلى الله عليه وسلم بمخالفة الكتاب أو السنة وبإِيذاء أَهل بيته بما لم يفعلوا ومجاوزة الحد فيما فعلوا .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٢٩٦