لَا تَعۡتَذِرُوا۟ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِیمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَاۤئِفَةࣲ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَاۤئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُوا۟ مُجۡرِمِینَ٦٦
الرسم الإملائيّ
لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
الجزء ١٠الربع ٧٩ صفحة ١٩٧
تفسيرها
﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ ﴾ لا تشتغلوا باعتذاركم الكاذبة ، فإنها لا تنفعكم بعد إظهار شركم ونفاقكم ، ﴿ قَدْ كَفَرْتُم ﴾ قد ظهر كفركم بالاستهزاء ﴿ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ الظاهر ؛ ﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ ﴾ بعد توبتهم وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق ، ﴿ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ مصرين على النفاق غير تائبين .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٠١
قوله : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ .
قال الكلبي : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من تبوك ، بينما هو يسير إذا برهط أربعة يسيرون بين يديه وهم يضحكون . فنزل جبريل على النبي عليه السلام فأخبره أنهم يستهزءون بالله تعالى ورسوله وكتابه . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر فقال : « أدركهم قبل أن يحترقوا واسألهم مما يضحكون ، فإنهم سيقولون مما يخوض فيه الركب إذا ساروا » فلحقهم . فقال لهم : مم تضحكون وما تقولون؟ فقالوا : مما يخوض فيه الركب إذا ساروا فقال عمار : صدق الله وبلغ الرسول ، احترقتم لعنكم الله . وكان يسايرهم رجل لم ينههم ولم يُمَالِئْهُم . فأقبل ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، والذي أنزل عليك الكتاب ما مالأتهم ولا نهيتهم . وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذرون فأنزل الله :
﴿ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ فأخبر أن لهم إيماناً كفروا بعده ، وأن المشركين لم يتطاعموا إيماناً قد فيكفروا بعد إيمانهم .
﴿ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ أي جرم نفاق ، لأنه جرم دون جرم ، وجرم فوق جرم ، فيرجى أن يكون العفو من الله لمن لم يمالئهم ولم ينههم .
وقال بعضهم : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، وبين يديه ناس من المنافقين ، فقالوا : أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات ، هيهات له من ذلك . فأطلع الله نبيه على ذلك فقال : احبسوا علي هذا الركب [ فأتاهم ] فقال : قلتم كذا وكذا . قالوا : يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونلعب .
قوله : ﴿ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ ، أي : قد نافقتم بعد إقراركم وتوحيدكم ، يعني أهل هذه الكلام الذي تكلّموا به ، وهو كفر نفاق ، وهو كفر المحدثين من أهل الإِقرار بالله والنبي والكتاب .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٠١
﴿ لاَ تَعْتَذِرُوا ﴾ فإِن اعتذاركم كاذب لا يقبل ، وأَصل الاعتذار الدروس والقطع فإِن المعتذر يحاول زوال أَثر ذنبه ، يقال : اعتذرت المنازل أَى درست والاعتذار سبب لقطع اللوم والقلفة عذرة لأَنها تقطع بالختن والبكارة عذرة لأَنها تقطع بالافتراع واعتذرت المياه انقطعت ، ومن ذلك قول الشاعر :
حشاى أَنى مسلم معذور … أَى مختون ﴿ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ أَظهرتم كفركم فى ذلك الخوض وغيره بعد إِظهار الإِيمان ، ولم يتحقق إِيمانهم قبل ، وفى معنى ذلك قد كفرتم عند المؤمنين بعد كونكم عندهم مؤمنين ، واللعب والجد فى أَمر الكفر سواءٌ ﴿ إِن نَّعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِّنْكُمء ﴾ بالتوبة لتوفيق الله إِليها ومنهم مخشى بن حُمير ( بضم الحاء وفتح الميم ) تاب وحسن إِسلامه ومات شهيداً فى وقعة اليمامة ، ويقال فخش بن حمير الأَشجعى ، وهو من جملة من يخوض ويلعب . وقيل كان يضحك من كلام من يخوض ويلعب ، ولكن الضحك عند المعصية بلا بغض لها رضى بها كفر إِن كانت كبيرة ، وكان يمشى مجانباً لهم وينكر عليهم بعض ما يقولون ، ولما نزلت الآية تاب من نفاقه وقال : اللهم إِنى لا أَزال أَسمع آية تقرأُ تقشعر منها الجلود وتخفق منها القلوب ، اللهم اجعل وفاتى قتلا فى سبيلك ليعلم مقتلى لا يقول أَحد أَنى غسلته أَو كفنته أَو دفنته ، فأُصيب يوم اليمامة ولم يعرف أَحد من المسلمين مصرعه وكأَنهم رأَوه ميتاً ، ثم لم يرد أَو رجحوا موته لدعائه مع نصوح ، توبته ، ولو كان فى حكم المفقود ولا يعمل بهذه ، والطائفة تطلق على القطعة من جملة فصدق على الواحد فصاعدا ، قال مجاهد إِلى الأَلف ، ويجوز أَن يراد بالعفو عن طائفة توفيقها للإِسلام دون أَن يتقدم لها نفاق . ﴿ نُعَذِّبْ طَائِفَةً ﴾ عذاب الدنيا والآخرة أَو عذاب الآخرة ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾ بسب أَنهم ﴿ كَانُوا مُجْرِمِين ﴾ مصرين على النفاق ، أَو مقدمين على الايذاء والاستهزاءِ ، ويجوز أَن يراد بالعذاب عذاب الدنيا ، وعذاب الآخرة لا بد منه لكن يعفو عن طائفة فلا تعذب فى الدنيا وتعذب طائفة ، فالعفو ترك العذاب ، ويقال هم ثلاثة اثنان يتكلمان بالسوءِ والثالث يضحك لكلامهما ، وهو جحس بن حمير ، وهو الذى تاب ومات شهيداً .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٠١