سورة التوبة · الآية ٦٧ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضࣲۚ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَقۡبِضُونَ أَیۡدِیَهُمۡۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِیَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِینَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ٦٧
الرسم الإملائيّ

الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

الجزء ١٠الربع ٧٩ صفحة ١٩٧

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 67]

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ﴾ أي : متشابهون في النفاق ، والبعد عن الإيمان ، كأبعاض الشيء الواحد ، كأنهم نفس واحدة ، أي : على دين واحد بالاجتماع على النفاق ؛ وفيه نفيٌ أن يكونوا من المؤمنين ، وتكذيبهم في قولهم ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) وتقرير لقوله : ( وما هم منكم ) ثم وصفهم على مضادة حالهم لحال المؤمنين ، فقال : ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ ﴾ بالكفر والعصيان ، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ عن الطاعة والإيمان ، ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ شحا بالمبار والصدقات ، والإنفاق في سبيل الله ؛ ﴿ نَسُواْ اللّهَ ﴾ تركوا أمره ، وغفلوا عن ذكره ، ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ فتركهم من رحمته وفضله وتوفيقه ، ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ هم الكاملون في الفسق الذي هو : التمرد في الكفر ، والانسلاخ عن كل خير ؛ وكفى المسلم زاجرا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش ، الذي وصف به المنافقون ، حين بالغ في ذمهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٠٢

[سورة التوبة — آية 67]

قوله : ﴿ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ﴾ أي في الألفة والاجتماع على معاصي الله ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنكَرِ ﴾ وهو كل ما يعرف العباد جوره .

﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ وكل ما يعرف العباد عدله فهو معروف .

وقال بعضهم : ﴿ يَأْمُرُونَ بِالمُنكَرِ ﴾ أي بالكفر ، وهو النفاق . ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ﴾ وهو الإِيمان ، أي : عن العمل بالصالحات ، وهي الإِيمان ، وهذا يرجع إلى التأويل الأول ، وهو واحد .

﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ أي عن النفقة في سبيل الله وعن الزكاة . وقال مجاهد : لا يبسطونها بالنفقة في الحق . وقال بعضهم : لا يبسطونها إلى الخير .

قال : ﴿ نَسُوا الله ﴾ أي : تركوا فرائض الله فلم يكملوها ولم يعملوا بجميعها . ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ أي فتركهم كمن ليس مذكوراً . وقال بعضهم : ﴿ فَتَرَكَهُمْ ﴾ أي : لم يذكرهم بما يذكر به المؤمنين أهل الوفاء والصدق من الخير . ﴿ إِنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ ﴾ يعني فسق النفاق ، وهو فسق دون فسق ، وفسق فوق فسق .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٠٢

[سورة التوبة — آية 67]

﴿ الْمُنَافِقُونَ ﴾ ثلاث مائة ﴿ وَالمنَافِقَاتُ ﴾ مائة وسبعون ، قل فى النساءَ لقلة ملاقاتهن للنبى والناس وإِلا فهن ناقصات عقل ودين ، أَو كثر فيهن حتى كان فى النساءِ اللاتى من شأَنهن لا يلاقين ﴿ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ كأَنه خلق كل واحد من الآخر ، وهذا لا يتصور إِلا أَن المراد لازمه وهو التشابه فى النفاق . ويقال : أَنا منك وأَنت منى أَى أَمرنا واحد ، وأَيضاً كأَنهم أَعضاء إِنسان يشبه بعضها بعضاً ، أَو كأَنه خلق ذاك من ذلك ، لا ذلك من ذلك ، بمعنى أَن القوى فى النفاق خلق منه من هو دونه فيه أَو دين بعض مأْخوذ من بعض . والاتصال الدالة عليه من الابتدائية معتبر بالنفاق وما فى بعض منه ناشىءٌ من بعض ، وذلك نقض لقولهم إِنهم لمنكم مضادون للمؤمنين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر ، كما قال ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ﴾ الشرك ، وسائر الذنوب الكبار والصغار ، وذكر بعضٌ أَن كل منكر ذكر فى القرآن فهو عبادة الأَوثان والشيطان ، وليس كذلك ، بل أَعم وقد يقتضى المقام خصوصاً ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ التوحيد وسائر الطاعات الواجبة وغير الواجبة ، وحذف المفعول للعموم أَى يأْمر بالمعصية بعضهم بعضاً ، ويأْمرون من ضعف إِيمانه ومن غفل من أَهل الشرك أَو المعاصى ، ومن خافوا منه التوبة ، وكذا فى النهى عن المعروف والضمائر للرجال والنساءِ ، المنافق من المنافق ومن المنافقة ، والمنافقة من المنافقة ومن المنافق ، وتأْمر وتنهى غيرها من الذكور والإِناث ويأْمر غيره كذلك وينهى ﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ لا يمدونها بالإِنفاق الواجب والمستحب ، وذلك كناية عن الشح ، كما أَن بسطها كناية عن الجود مطلقاً لأَن الإِنفاق يتصور أَيضاً بلا مد يد مثل أَن تقول خذ من مالى كذا ، أَو هو لك ﴿ نَسُوا اللهَ ﴾ تركوا توحيده وطاعته وضع النسيان لترك الشىءِ ولذهابه عن الحافظة بعد كونه فيها ، وعلى فرض أَنه موضوع لذهابه عنها يكون هنا مجازاً استعمالا فى اللازم فإِن من ذهب عن حافظته شىءٌ بتركه ﴿ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ترك رحمتهم والإِحسان إِليهم لاختيارهم الخذلان ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ بإِضمار الشرك وتوابعه ، ودخلت المنافقات فى المنافقين ، أَو حذف لفظ المنافقات للعلم به ﴿ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ الكاملون فى الخروج عن الطاعة فإِن غيرهم من أَصحاب الكبائر غير الشرك من المشركين صراحاً دونهم فى الكمال لقوله تعالى : ﴿ إِن المنافقين فى الدرك الأَسفل من النار ﴾ أَى إِن المنافقين بإِضمار الشرك ، والحصر باعتبار الكمال ، وإِلا فقد كثر الفاسقون غيرهم ، وأَما المؤمنون فلا يتصفون بالفسق ، وفسق هؤلاء المنافقين دون فسقهم ، ومقتضى الظاهر أَنهم هم الفاسقون ، وأَظهر لزيادة التقرير وللإِهانة ، فإِن فى ذكرهم بالنفاق ما ليس فى ذكرهم بالضمير ، أَو المراد مطلق المنافقين ، وعلى كل حال المراد ما يشمل المنافقات .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٠٢