سورة التوبة · الآية ٨٤ من ١٢٩

‹ السورة السابقة
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰۤ أَحَدࣲ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدࣰا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦۤۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُوا۟ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ٨٤
الرسم الإملائيّ

وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ

الجزء ١٠الربع ٨٠ صفحة ٢٠٠

تفسيرها

[سورة التوبة — آية 84]

﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ﴾ من المنافقين ﴿ مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣١٩

[سورة التوبة — آية 84]

قوله : ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ ثم أخبره لم ذاك وبم هو ، فقال : ﴿ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ ﴾ أي : خالفوا الله وخالفوا رسوله ﴿ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ وهو فسق النفاق .

قال بعضهم : بلغنا أنه عبد الله بن أبي بن سلول؛ لما مات جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أعطني قميصك أكفّنه فيه . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فكفنه فيه ، وصلّى عليه النبي . فأنزل الله : ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ ثم أخبره لم ذاك وبم هو فقال : ﴿ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ ﴾ أي خالفوا الله وخالفوا رسوله ﴿ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ .

وقال بعضهم : ذكر لنا أنه مات منافق فكفنه رسول الله في قميصه وصلى عليه ودلاَّه في قبره . فأنزل الله هذه الآية . فذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « وما يغني عنه قميصي من عذاب الله . والله إني لأرجو أن يسلم به ألف من قومه »

وقال بعضهم : إن رسول الله تقدم ليصلِّيَ عليه ، فأخذ جبريل بثوبه فقال : والله لا تصل على أحد منهم مات أبداً . . إلى آخر الآية .

وفي هذا دليل على أهل الفراق أن لو كانوا مشركين كما قالوا ما صلّى عليهم رسول الله ، ولا وقف على قبورهم ، ولا كفنهم في ثيابه ، ولا دلاّهم في قبورهم بعد قول الله : ﴿ إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ [ التوبة : 28 ] ، وبعد قوله : ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ ﴾ [ التوبة : 113 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣١٩

[سورة التوبة — آية 84]

﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ﴾ لأَن نفاقهم إِضمار شرك ولو كان نفاق جارحة لأَجاز له الصلاة عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم : « صلوا على كل بار وفاجر » ، ويدل على أَنه إِضمار شرك قوله إِنهم كفروا بالله ورسوله فإِنه لا يقال للمنافق بالجارحة كفر بالله ولا كفر برسوله بل يقال كفر وكافر ، ومات نعت ﴿ وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ لدفن أَو زيادة فى الحين أَو بعد ذلك ، أَو لدعاءٍ كذلك ، أَو لتلقين شهادة أَو إِيناس أَو إِظهار شفقة عليه أَو لشفقة ، فقيل لم يصل عليه ولم يقم على قبره أَلبتة . أَراد الصلاة فنزلت الآية . ويروى أَنه صلى الله عليه وسلم زار قبر أُمه عام الحديبية فى أَلف مقنع فناسب أَنها أَحياها الله قبل وآمنت به صلى الله عليه وسلم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « زوروا القبور فإِنها تذكركم الآخرة » مختص بقبور الموحدين ، ويروى أَنه لما احتضر عبد الله بن أُبى أَو ثقل مرضه أَرسل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأَله أَن يدعوا له ويصلى عليه إِذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه ليكفن فيه والمنافقون عنده ، فأَسلم أَلف من المنافقين لما علموا أَنه يرجو بركته صلى الله عليه وسلم ، وروى أَنه أَرسل إِليه قميصه فرده فقال : أُريد القميص الذى يلى جسده فأَرسله إِليه ، فلامه عمر لشركه فقال صلى الله عليه وسلم : « ما يغنى عنه قميصى مع شركه » ، وأَرجوا أَن يسلم به أَلف ، وروى أَنه لما مات جاءَ ابنه عبدالله فقال : يا رسول الله إِن لم تصل عليه لم يصل عليه مسلم ، فجاءَ صلى الله عليه وسلم ليصلى عليه فقام عمر بينهما لئلا يصلى عليه ، فنزل جبريل فأَخذ بثوبه ، وأَوحى عليه الآية فلم يصل عليه ، والمشهور أَنه صلى عليه ، وذلك لظاهر حاله من التوحيد ، ويروى أَن عمر جبذه فوافق جبذ جبريل والآية ، وذكرت فى شرح نونية المديح ما وافق به عمر الوحى ، وروى أَنه قال عمر رضى الله عنه له صلى الله عليه وسلم : أَتصلى عليه وقد قال كذا فقال : « أَخر عنى يا عمر » ، وتبسم : وقال أَيضا : أَتصلى عليه وقد نهاك الله عن الصلاة عليه؟ وقال : « أَخر فإِنى خيرت ولو علمت أَنه يغفر له إِن زدت على السبعين لزدت » ، قال : ولم أَلبث إِلا يسيرا فنزلت الآيتان ، ولا تصل على أَحد ، قال صلى الله عليه وسلم : « لو لم أُبعث نبيا لبعثت يا عمر نبيا » ، وقيل : الذى رد قميصه وطلب الذى يلى جسده هو ابنه عبدالله الجارى على طلب أَبيه ، وسبب إِعطاءِ القميص رجاءُ إِسلام قومه وتطييب خاطر ابنه ، فإِنه حسن الإِسلام عالم مجتهد فى العبادة وإِعلاءِ الدين ، وأَنه كافأَه على إِعطائِه العباسَ قميصه حين أسر ببدر وكان لطوله لا يكفيه إِلا قميصه ، أَو اُوحى إِليه بِإِعطائِه ليسلموا ، أَو لأَنه عليه أَن يعطيه وقت مشارفة الموت وهو وقت توبة الكافر وإِيمان الفاجر ، وأَن الله عز وجل أَمره أَن لا يرد سائلا ، قيل : أَو لغفلة اقتضتها غلبة الرأْفة عليه أَو تعمد لإِظهارها وأَيضا منع القميص داع إِلى نسبته إِلى الإِخلال بالكرم وليس فى شىءٍ من ذلك إِعزاز الكافر ، وكذلك صلى عليه ، أَو أَراد الصلاة عليه مع أَنه لا يصلى على مشرك لظنه أَنه تاب كما مر ، وروى أَنه صلى عليه ثم نزلت ، وروى أَنه بعدما أُدخل قبره كشف عن بعضه فنفث عليه وستره ، ونزلت الآية بعد ، وروى أَنه قال : ما يغنى عنه قميصى وصلاتى ، وإِننى أَرجوا أَن يسلم به أَلف من قومه ، وعلل النهى بقوله ﴿ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ مشركون أَى ماتوا ولم يتوبوا من الشرك ، أَو المراد فسق الجارحة فإِنه قد يكون الكافر بالله ورسوله غير فاعل بجارحته زنى أَو سرقة أَو غصباً أَو ظلماً وغير ما ذكر ، ولو كان لا يخلو من ترك الصلاة وغيرها فأَخبر الله سبحانه وتعالى أَن هؤلاءِ المنافقين جمعوا بين الشرك وأَفعال الفسق التى دون الشرك .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣١٩