[سورة الأنعام — آية 33]
﴿ قَدْ نَعْلَمُ ﴾ تحقق علمنا أَو كثر ، كقول زهير فى مدح أَبى حذيفة بن بدر :
أَخا ثقة لا يتلف الخمر ماله … ولكنه قد يهلك المال نائله
أَى عطاؤه ، ومعنى كثر علم الله كثر أَجزاء معلومه إِذ علم من كل جزء وإِن دق ، والا فصفات الله ذاتية ، وهو لا يتصف بالأَجزاء ، أَو من أَقل معلوماتنا إِجزان الذى يقولون إِياك ، وذلك كما نفسر قد فى قولهك قد يعلم ما أَنتم عليه ، وقوله : قد يعلم الله المعوقين ، بالتحقيق أَو بتكثير معلوماته من ذلكن أَو بتقليلها بالنسبة ، والتحقيق أَن قد مع المضارع بالوضع والكثرة والقلة إِنما هى من خارج ، وقيل هى للتقليل واستعمالها فى الكثرة استعارة أَحد الضدين للآخر ، والأُولى فى قول سيبويه أَن قد كرب أَنها بمعناها فى التقليل ، ﴿ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ ﴾ أَى الكلام الذى يقولونه ، أَو القول الذى يقولونه من أَنك ساحر أَو مجنون أَو شاعر أَو تتكلم بأَساطير الأَولين أَو يعلمك بشر ، ﴿ فَإِنَّهُمْ ﴾ علة لمحذوفن أَى لا تحزن لأَنهم ، أَو دم على الصبر لأَنهم ﴿ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ مضارع أَكذب فهو من أَفعل الذى للوجودن أَى لا يجدونك كاذباً ، أو للنسب ، أَى لا ينسبونك إِلى الكذب من قلوبهم ، بل من أَلسنتهم فقط ، أَو لا يصيرونك كاذباً ، بل أَنت باق على الصدق ، وهذا فى الجملة فإِن منهم من يكذبه من قلبه ، ومنهم من يكذبه بلسانه وقد علم صدقه من قلبه لكنه جحد كما قال ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِنَ بآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أَو لا يكذبونك لعلمهم بصدقك فى طول عشرتك ، ولكن يقولون ما جئت به غير صحيح فى نفسه ، ولست مفتريا له ، كما روى أَن أَبا جهل لعنه الله يقول : ما نكذبك وإِنك عندنا لصادق ، وإِنما نكذب ما جئت به ، تظن أَن مخبرك به صادق وليس صادقاً ، قيلك لكن تغير عقلك فقلت ما قلت لا بكذب منك ، وقيل لا يكذبونك كلهم ، بل منهم من يصدقك ، فنزلت الآية ، وقيل لا يكذبونك كلهم ، بل منهم من يصدقك ، فنزلت الآية ، كما روى أَن الأَخنس قال لأَبى جهل لعنهما الله تعالى : ليس معنا ها هنا أحد فأَخبرنى عن محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال : والله إِنه لصادق وما يكذبك ، لكن إِذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فما لسائر قريش ، وكان الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف بن قصى بن كلاب يكذب النبى صلى الله عليه وسلم علانية ويقول لأَهل بيته : ما محمد من أَهل الكذب ولا أَحسبه إِلا صادقاً ، ففى ذلك كله ونحوه نزلت الآية ، أَو لا يكذبونك فى الحقيقة ، بل كذبوا آيات الله ، وذلك أَن الله صدقه بالإِ‘جاز فكذبوا هذا التصديق فهذه نصرة له صلى الله عليه وسلم ، إِذا كان مكذبه مكذباً لله عز وجل ، وتضمن ذلك وعداً بالنصر ، ولا يكذبونك بقلوبهم بل بأَلسنتهم ، ويجوز أَن يكون فإِنهم لا يكذبونك على ليحزنك ، أَى ليحزنك الذى يقولون من التكذيب ، لأَنه ليس تكذيباً لك خاصة ، بل فى تكذيبهم تكذيب لله ، كما روى أَنه لا يحزن لنفسه ولا يغضب لنفسه ، بل فيما كان لل جلا وعلا ، ويجوز أَن يكون الجحود التكذيب ، أَى ما كذبوك ولكن كذبوا آيات الله ، أَى تكذيبك ليس منحصراً فيك ، بل فيه تكذيب الله فى آياته ، وذلك كقوله تعالى :
﴿ إِن الذين يبايعونك إِنما يبايعون الله ﴾ ومقتضى الظاهر ولكنهم بآيات الله يجحدون ، فوضع الظاهر موضع الضمير ، ليصفهم بالظلم ، وليدل على أَنهم ظلموا بجحدهم ، أَو على جحدوا لتمرنهم على الظلم ، وعلى ما مر من إِبقاء الجحد علىنفى الإِنسان ما علمه تكون الباء لتضمن الجحد معنى التكذيب .