[سورة ص — آية 42]
قوله : ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ أي : ببلاء وشرّ . قال بعضهم : النصب : الضر في الجسد ، والعذاب : ذهاب ماله . وتفسير الحسن بنصب وعذاب في جسده؛ وقد فسّرنا قصته وقصة امرأته في سورة الأنبياء وكيف ذهب ماله .
فأوحى الله إليه أن ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ فركض برجله ركضة وهو لا يستطيع القيام ، فإِذا عين فاغتسل منها فأذهب الله ظاهر دائه ، ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً ، ثم قيل له : اركض برجلك ايضاً ، فركض ركضة أخرى فإِذا عين فشرب منها فأذهب الله عنه باطن دائه .
وقال الكلبي : وكساه الله ثياباً جديدة حساناً . وجلس على شاطئ نهر ، فجاءت امرأته بطعام قد أصابته ، فنظرت فإذا الغار ليس فيه أحد؛ فلم تشك أن السبع قد أكله . فجعلت تستحيي من الرجل وهي ما تعرفه ، فقالت : يا عبد الله ، أرأيت الذي كان في هذا الغار أين هو؟ قال : أنا هو . قالت : يا عبد الله ، لا تسخر مني ، فقد كان أمره بخير . فقال : أنا صاحبك ، ولم تصدّقه .
فقال : إن لم تصدقيني فاذهبي إلى بيتك ذلك ، فإن الله قد أقامه لك ، وردّ عليك ولدك ، وقد كانوا ثلاثة عشر ، وزاد الله له ثلاثة عشر أخرى ، وأخرج له حيوانه كلها ، وزاده مثلها معها ، حتى صار مَلِك دمشق بعدُ .
قال الحسن : فردَّ الله عليه أهله وولده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء ملكه بعينه ، ثم أبقاه الله فيها حتى وهب له من نسولها أمثالها . وهو قوله : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ﴾ فوفّاهم آجالهم . قال بعضهم : مثل السبعين الذين كانوا مع موسى فقال لهم الله : موتوا ثم أحياهم ، ومثل ﴿ الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحْيَاهُمْ ﴾ [ البقرة : 243 ] فاستوفوا بقية آجالهم .
وقال الحسن : إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم ، وأن الله أبقاه فيهم حتى أعطاه الله من نسولهم . وإن إبليس يأتيه يومئذ عياناً ، قال : يا أيوب ، اذبح لي سخلة من غنمك؛ قال : لا ، ولا كفاً من تراب .
ذكروا عن أبي عثمان النهدي قال : سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : لا يبلغ العبد الكفر بالله والإشراك به حتى يصلي لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يذبح لغير الله .
ذكروا عن الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم : لو كان نبياً ما ابتلي بمثل ما ابتلي به . فدعا الله فقال : اللهم إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت في السر مثلها ، فاكشف عني ما بي من ضر فأنت أرحم الراحمين . فاستجاب الله له فوقع ساجداً .
وأمطر عليه جرادٌ من ذهب فجعل يلتقطه ويجمعه ، فأوحى الله إليه : يا أيوب ، أما تشبع؟ قال : ومن يشبع من رحمتك [ يا رب ] .
وقال الحسن : إن الله يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء فيجيء العبد فيقول : أعطيتني جمالاً في الدنيا فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك ، فيقول الله له : الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : بل الجمال الذي أعطى يوسف ، فيقول : إن يوسف كان يعمل بطاعتي ، فيحتجّ عليه بذلك . فيجيء العبد ويقول : يا ربّ ، ابتليتني في الدنيا ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول الله له : البلاء الذي ابتُليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلى به أيوب ، فيقول : بل الذي ابتلى به أيوب . فيقول : كان أيوب يعمل بطاعتي ، فيحتج عليه بذلك . ويجيء العبد فيقول : أعطيتني ملكاً فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك . فيقول : الملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطى سليمان ، فيقول : الملك الذي أعطى سليمان . فيقول : كان سليمان يعمل بطاعتي ، فيحتج عيه بذلك .