التنبيه الثاني : في الطريق لتهذيب الأطفال
الجزء ١ · صفحة ٦٥الطبع ، فإن ذلك من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك ، فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء ، ومهما بلغ سن التمييز ، فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ، ويجنب لبس الحرير والديباج والذهب ، ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ، ويخوف من السرقة وأكل الحرام ، ومن الخيانة والكذب والفحش ، وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشوة كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ ، أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور ، فيذكر له أن الأطعمة أدوية ، وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجل ، وأن الدنيا كلها لا أصل لها ، إذ لا بقاء لها ، وأن الموت يقطع نعيمها ، وأنها دار ممر لا دار مقر ، والآخرة دار مقر لا دار ممر ، وأن الموت منتظر في كل ساعة ، وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة ، حتى تعظم درجته عند الله تعالى ، ويتسع نعيمه في الجنان ، فإذا كان النشء صالحا ، كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ناجعا ، يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر ، وان وقع النشء بخلاف ذلك ، حتى ألف الصبي اللعب ، والفحش والوقاحة ، وشر الطعام واللباس ، والتزين والتفاخر ، نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط على التراب اليابس .
وأوائل الأمور التي ينبغي أن تراعى ، فإن الصبي بجوهره خلق ، قابل للخير والشر جميعا ، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين ، قال صلى الله عليه وسلم : (( كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ))