شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ١٤٩رجعنا إلى تمام القصة، قلت له: أليس ترجون من أحد ليصرف عنكم البلاء؟، قال: كل من أراد أن يعمل عملاً لم يتفق له وذهبت أمواله وخربت مساكنه، قلت له: لعل أعمالهم كمثل أعمال الرجل الذي يعمل كما يعملوا الناس بلا معلم فما تم له عمل من أعماله في طول زمانه لأنه يعمل برأيه وقياسه وقد عمل سفينة في البر بعيدة عن البحر ونشل إليها شراعها فهبت الريح فلم تزعزعها فجبر الناس ليدرجوها إلى مسلك السيل في الوادي ليحملها فأنزل الله القطر وسالت الأودية فحملت السفينة وتكسرت، انظر إلى هذا الرجل ضرته أعماله وذهبت أمواله ولا يقع أحد بعمله من بعده، قلت له: وهل صاحبت أحد في زمانك من العقلاء؟ قال: رأيت أناساً يذكرون الله تعالى بالليل والنهار ويقومون بالليل فمنهم علماء ومنهم أتقياء ومنهم بدلاء قد تركوا الشهوات واللذات يصومون النهار ويقومون بالليل يرجون من ربهم رحمته ويخافون من نقمته يملكون النفس بزمامها بتركهم النعم فعمدوا على العزلة والصوم، وقد حكي لنا عن رجل معه أموال وأولاد وعيال فتزينت له الدنيا فأراد أن يفرقها فنهض عليه إخوانه وأعوانه مرادهم الوقوف على حاله، وأن يلتفق عنهم كل نائبة بمالهم وحالهم فأجابهم: أما قولكم هذا فهو من الصلاح في ظاهر الأمور وفي الباطن له تأثير في الأنفس بالعداوة والبغضاء وفيه مما يدل على هلاك المرء بذهاب دينه ودنياه ولكن اتركوا سبيلي فإن فيه السلامة لي ولكم فلا يدخل في قلبكم الجفا فهذه هي الصفاوة بين الأحباء والمجاورة والمداخلة للشيطان فيها مسالك لمن طلب أهوية النفوس وقد هلك كثير من الخلق بسبب المجاورة والمصاحبة، وقد وقف هذا الرجل عن الحلال خوف المعاصي والشبهة وإن أخذ الإنسان بالمشتبه أخاف عليه أن يقع في المحرمات من الدماء والفروج والأموال، ولا يجوز لأحدٍ أن يأخذ من أموال الناس إلا عند الضرورة مع الدينونة لصاحبها وأما بالذي صحت فيه الإباحة لبعضهم بعضا فجائز لمن دعته الحاجة إلى