شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ١٩٠ووجه آخر لا يخلو إما فعله علي بن أبي طالب ومعاوية من أمر التحكيم والرضى به بمن يحكمون به الحكمان إماماً وترك القيام بلازم الإمامة من قتال أهل البغي إما حق وإما باطل، فإن كان حقاً فهو الذي طلبه معاوية من علي بن أبي طالب ومن المسلمين أن يتركوا أمر الإمامة عن علي بن أبي طالب وهو الذي قاتلوه عليه وصار بعضهم في حكم الباغي في أول الأمر فلا شك أن علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين مبطلون بقتالهم لمعاوية لأن ما طلبه منهم هو جائز له ولهم، ومن طلب الجائز لم يجز قتاله، ومن قاتله فهو مبطل بحكم كتاب الله في قتل النفس بغير الحق ، وقتاله لمعاوية بعد تحكيم الحكمين كذلك ضلال وباطل لأنه لم يزل معاوية وعلي يتقاتلان إلى أن مات علي بن أبي طالب ويكون الخوارج كذلك ضالون مبطلون مثله لأنه لا يجوز قتال معاوية على هذا، وإما أن يكون ما فعله علي ومعاوية من أمر التحكيم والرضى به من علي بن أبي طالب ومطالبة معاوية من علي بن أبي طالب ومن معه من المسلمين باطلاً وقتالهم لمعاوية بحق فالباطل باطل ممن جاء به والمحق من لم يرض بالباطل واتّبع الحق، فيكون المحقون الخوارج دون علي بن أبي طالب ومعاوية، من أين توجهتَ لم تجد لعلي بن أبي طالب مخرجاً من الباطل؛ لأن ليس هنالك منزلة ثالثة هي لا حق ولا باطل، ولاهدى ولا ضلال، لقوله تعالى (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)(1) .
ولم يكف هذا الضلال حتى قتل من الخوارج أربعة آلاف نفر بعدما رجع إلى مذهبهم في قتال معاوية.
وإن كانوا مبطلين فهو مبطل مثلهم لأنهم كانوا على طريقة واحدة في قتال عدوهم، وصار آخر أمره يقاتل الذين كانوا يقاتلونه هو وإياهم جميعاً على حالته الأولى ومطلبه الأول لا غير فهو في أول الأمر مبطل وفي آخر أمره مبطل بقتاله معاوية هو وهم جميعاً.
(1) 1 – يونس : 32