شفاء القلوب من داء الكروب خميس بن راشد بن خميس العبري أبو ماجد، المشهور بـ "ذي الغبراء"

شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري

الجزء ١ · صفحة ٢٨٨

واحترز عنه كما تحترز عن الذئب، فإذا بليت بصحبة إنسان كذاب فاعلم أن الإنسان الكذاب كالميت في الحكم لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميت، وكما لاتصحب الميت لا تصحب الكذاب، وكما قيل في المثل: كل شيء وصحبة الكذاب لا شيء، ويجوز أن يلحق بعالم النعام فإنه يدفن جميع بيضه تحت الرمل ويترك واحدة على وجه الرمل وأخرى تحت طاقة من الرمل وسائر بيضه في قعر الحفرة، فإذا أراد الغر يأخذ تلك البيضة وينصرف أو يكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى فيظن انه ليس شيء آخر، والخبير إذا رأى البيضة لا يزال يحفر حتى يصل إلى حاجته ولا يغتر بتلك البيضة، كذلك الكذاب إذا سمعت منه خبر لا تصدقه حتى تبلغ الغاية في الكشف عنه، وإذا رأيت إنساناً يصنع نفسه كما تصنع العروس لبعلها ينفض ثيابه ويعدل عمامته ويتقي أن يمسه شيء غيره وينظر في عطفيه ويطرح القذا عن ثوبيه وليس له همة عند الجلساء إلا نظره إلى نفسه وإصلاح ما اكتسى من ثيابه فألحقه بعالم الطواويس الذي هذه صفته؛ فإنه يتبختر في مشيه وينظر إلى نفسه ويفرش أرديته فيتخذ مع الملوك استحسانا له، وإذا بليت بإنسان حقود لا ينسى الهفوات ويجازي بعد المدة على السقطات فألحقه بعالم الجمال، والعرب تقول: أحقد من جمل، وتجنب قرب الجمل الحقود، وإذا بليت بإنسان منافق ينطق خلاف ما يظهر فألحقه بعالم اليربوع؛ وهو فأر يكون في البرية يتخذ جحراً تحت الأرض يقال لها النافقاء وله فوهتان يدخل من إحداهما ويخرج من الأخرى ومنه اشتق اسم المنافق، فإذا هم أخذه دخل جحره وخرج من الباب الآخر فيحفر الصياد خلفه فلا يظفر بشيء، كذلك حال المنافق ولا يصح منه شيء، وعلى هذا النمط كن في صحبة الناس تستريح وتريحهم منك، ولعمر الله ما استقامت لي صحبة الناس وسكنت نفسي واستراحت من مكايدة الأمر حيث سرت معهم إلا بهذه السيرة، وقال الرباحي: يا بني رباح؛ لا تحقروا صغيراً تأخذون عنه فإني أخذت من الثعلب روغاته، ومن القرد مكايده، ومن

٢٨٨ / ٩٠٦