شفاء القلوب من داء الكروب ج1 لخميس العبري
الجزء ١ · صفحة ٣٧٦هنا وغير هنا بحسن ظني فيك بقبول الحق، وتصديق الصدق، لا حقارة لقدرتك، ولا استخفافاً بسلطانك وأمرك، وعلى ذلك أقول، مما خطر من المنقول والمعقول، فاعلم أنك ممن أطال الله يداه، وأرغم له أعداه، ونقله من رتبة المساكين الضعفاء، إلى منزلة السلاطين الشرفاء، وإن كان مقامك في ذلك مقام ابتلاء، ولو كان في ظاهر الأمر مجد وعلا، ومثله كالمختبر الدينا في النار، ليظهر سره الذي علمه فيك، حتى يكون لك حجة معه أو عليك، ومع قلة معرفتك بالملك وعمد ابتلائك به سابقاً، تساهلت به أولا ولاحقا، فظهر لك معه ما لا تظنه ولا يخطر بجنانك، ولا سيما من أهل زمانك، وانبعثت عليك بواعث الامتحان، بعد السلامة من جميع ذلك فيما مضى من سابق زمان، ودخلت في مداخل كنت تكرهها في غيرك وسواك، ولا تقل أنك ممن يرد خلاف الحق بهواك، بل العذر في خلاف الحق يغوى ويعمى ، وابتلاك بالملك أهون ابتلاء، مما به غيرك ابتلى، خصوصاً في أول دخولك في هذا الأمر وحلولك، إذ تهيأ لك أقصى مرادك بأدنى اجتهادك، ولعلك كنت أشرف رتبة مع الله، ولنا في ذلك ظاهر دليل وأوضح سبيل، إنك كنت مسكيناً من أهل المساكين، وبتلك الحالة أقدرك الله حتى نازعت في ملكه أكبر السلاطين، ونزعت ما نويت من ملكه وهو على اقتداره، وقوته وآله وماله وأنصاره، وكان الذي تريد لا الذي يريد، وما كان ذلك ملك إلا كما قال الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾(1) وظاهرتك أعداؤك على هذا الأمر مظاهرة أوداك ، وفي بدو الأمر كل مسرور بذلك، ويدعو لك بالنصر، من كافة أهل العصر، والآن لم أعلم من أكثر أهل الزمان، من يشكرك إلا قليلا بجنان ولا لسان، وقد بينت لك هذا عساك تنتبه، إلى شيء من حكمة الله فيك، أو تعرف ما أنت جاهله مما أمامك أو وراءك ، لتتدبر أمرك، وتبادر بالرأي الرشيد، مجاهدة في هذا الأمر من دهاك، لأن المؤمن مرآة أخيه المؤمن، والتذكرة في حق الأخوة نصرة،
(1) 1 – الأنفال : 17