مجلة الحياة، العدد 6 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

توثيق القرآن الكريم حفظًا في الصدور ورسما في السطور بكير بن محمد الشيخ بالحاج

الجزء ١ · صفحة ٣

ولا شكَّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أدرى الناس بمن يصلح لكتابة الوحي لا سيما القرآن، فلقد كان كتَّاب الوحي على رتبة عالية من الأمانة والحذق بقواعد الكتابة، وقد دلَّت المصادر أنَّ القرآن كان يكتب في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم وتُرتَّب آياته بتوقيف من جبريل عليه السلام، وبإخبار من النبيء صلى الله عليه وسلم، فلم ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى كان القرآن كلُّه مكتوبًا على العُسُب (العسُبُ جمع عسيب؛ وهو الطرف العريض من جريد النخل)، واللخاف وهي صفائح الحجارة، والرقاع وهي قطعٌ من جلدٍ أو ورق، وعظام الأكتاف وغير ذلك ممَّا تهيَّأت للصحابة الكتابة عليه.

وبهذا الذي ذُكر من وسائل الكتابة يترجَّح أو يتأكَّد أنَّ القرآن ـ في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم ـ لم يُجمع في مصحف ولا صُحف (أوراق)، لكنَّه لم يُفلت من كتابته وتدوينه آية ولا حرفٌ. ولعلَّ أحدًا يعترض فيقول كيف يصف الله الصحابة بالأميَّة مع العدد غير القليل من كتبة الوحي من المهاجرين والأنصار؟ فلا يعزبنَّ عن ذهنك صنيع رسول الله بأسرى بدر من المشركين، إذ جعل فدية من يحسن القراءة والكتابة أن يعلِّم عشرة من صبيان المسلمين، وبمثل هذا وغيره انتشرت القراءة والكتابة في المسلمين.

المرحلة الثانية: توثيق القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

لمَّا تولَّى أبو بكر رضي الله عنه إمارة المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجهته مهام جسامٌ ومشاكل عدَّة، ومن أخطرها انتشار الردَّة في جهات شتَّى من الجزيرة العربية، وقد استبسل الصحابة ومن معهم في مقارعة أهوال هذه الحروب، وكان من أشدِّها عليهم حرب اليمامة حيث ظهر مسيلمة الكذاب واشتدَّت محنته، وقد حاربه المسلمون أشد محاربة حتى خذله الله وقتِل وجمعٌ كبيرٌ من أنصاره، غير أنَّه قتل من الصحابة جماعة كثيرة، قيل سبعمائة وقيل أكثر (5).

وإزاء هذا خشى الصحابة ذهاب كثير من القرآن بسبب موت القرآن، روى البخاري بسنده عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «أرسل إليَّ أبو بكر الصدِّيق مقتل أهل اليمامة (أي عقب قتل من قتل من الصحابة في وقعة اليمامة) فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبوبكر رضي الله عنه: إنَّ عمر أتاني فقال إنَّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإنِّي أخشى إن استحرَّ القتل بالقرَّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنِّي أرى أن تأمر بجمع القرآن … » الحديث (6).

وقد اشترط أبو بكر على زيد بن ثابت أن لا يكتب شيئًا من القرآن عن أحدٍ إلاَّ إذا جاء بشاهدين على أنَّ ذلك كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ «أخرج ابن أبي داود (في كتاب

٣ / ١٣