مجلة الحياة، العدد 6 (مبوبة، ناقصة) مجلة الحياة

مشكلة الضمان في المضاربة والحلول الشرعية والعملية لها لسليمان ناصر

الجزء ١ · صفحة ٩

رأس المال ولو بغير تعدٍّ منه؟

رأينا في الشروط السابقة أنَّه لا يجوز ذلك عند جمهور الفقهاء، هناك من الفقهاء المعاصرين من أجازه، ومنهم على سبيل المثال: الأستاذ محمَّد باقر الصدر الذي يرى بأنَّ تطبيق المضاربة من طرق البنك الإسلامي يمكن فيه الضمان من هذا البنك، لأنَّ ما لا يجوز في المضاربة هو اشتراط الضمان على المضارب، وهو يفترض أنَّ البنك وسيط بين ربِّ المال والمضارب، فهو إذن جهة ثالثة يمكن أن تتبرَّع لصاحب المال بضمان ماله (9).

لكن المعلوم أنَّ البنك الإسلامي يمارس المضاربة بصفته مضاربًا أوَّلاً والمستثمر هو المضارب الثاني، وهو يسمى بإعادة المضاربة، وبالتالي فهو يشترك في الربح والخسارة.

وكذلك يرى الدكتور سامي حسن حمود هذا الجواز مع اختلافٍ في التعليل، حيث يرى بأنَّ المضاربة التي تطبِّقها البنوك الإسلامية حاليًّا هي مضاربة جماعية أو مشتركة لأنَّها تجري مع عدد كبير من أرباب المال (المودعين)، أمَّا تطبيق المضاربة بصورتها الفردية التي كانت في القديم فهي محاولة للاكتفاء بالاسم المفرغ من محتواه، ولذا فهو يقيس البنك الإسلامي الذي يمارس المضاربة المشتركة على الأجير المشترك الذي يعمل لكافة الناس، وبالتالي يجب على البنك أن يضمن هذه الودائع تمامًا كما يضمن الأجير المشترك ما تحت يده عند من قال بذلك (10).

والردُّ على هذا الرأي هو أنَّ تضمين الأجير المشترك ليس محلَّ اتِّفاقٍ بين الفقهاء كما يعترف بذلك صاحب الرأي نفسه. ومن جهة أخرى فإنَّ الأجير المشترك يتلقَّى أموالاً على شكل عروضٍ، أمَّا البنك الإسلامي فيتلقَّى أموالاً على شكل نقود، وهناك فرق بين النقود والعروض من حيث الخصائصُ والأحكام؛ فمثلاً يمكننا تأجير آلة بالنقود، لكن لا يمكننا تأجير النقود بالنقود فذلك هو عين الربا.

أمَّا الشيخ محمَّد بن بابه الشيخ بالحاج فهو يرجِّح طلب الضمان ـ الذي يُجيزه ـ إلى انعدام الثقة والأمانة بين الناس، وإلى الحرص على توظيف أموال الأغنياء بضمانات كافية من جهة، وانتشال الشباب من البطالة من جهة أخرى (11).

والردُّ على هذا الرأي ـ وهو يصلح ردًّا على الجميع ـ هو أنَّ المضاربة الشرعية والتي تشترط عدم ضمان رأس المال إلاَّ بتعدٍّ من المضارب قد ثبتت بالنصِّ (السنَّة التقريرية فيما رُوي سابقًا عن العبَّاس رضي الله عنه)، والتي يُفهم منها (بمفهوم المخالفة) أنَّ ضمان رأس المال في المضاربة لا تجوز المطالبة به إلاَّ في حالة مخالفة المضارب لشروط صاحب المال، حيث يثبت هنا التعدِّي أو التقصير.

وللأمانة العلمية فإنَّ كلاًّ من: الهيثمي وابن عدي والزيعلي، قد ضعَّفوا هذا الحديث لوجود أبي الجارود ضمن سنده، وهو ممَّن جُرِّح في روايته. لكنَّ الدليل الآخر الذي يعتدُّ به، والذي يصلح أيضًا للردِّ هو الإجماع، فقد حسم الفقهاء المعاصرون كما القدامى هذه القضية بالإجماع، وذلك

٩ / ١٣