الحجج المقنعة لنور الدين السالمي بتحقيق بورلرواح
الجزء ١ · صفحة ٧٥ولهذا اضطربت أقوال الحَنَفِيَّة في حدِّ المصر، فروي عن أبي يوسف: "أنَّ المصر هو ما لا يسع أكبر مساجده أهلهِ"، وفي رواية عنه: "كُلّ موضع له أمير وقاض ينفِّذ الأحكام ويقيم الحدودَ"(1) . وعن أبي حنيفة: "كُلّ بلدة لها سكك وأسواق ووالٍ لدفع المظالم، وعالم يرجع إليه في الحوادثِ"(2) .
وأقول: إنَّ تمصير عمر للأمصار السبعة وتعيينه لَهُنَّ أمصارا مع اشتمال كُلِّ واحدة مِنهُنَّ على قرى كثيرة كادت القرية الواحدة مِنهُنَّ أن تعدَّ مصرا في العرف؛ دليلٌ على أنَّ المصر المشترط لوجوب الجُمُعَة وصحَّتها هو المكان المشتمل على أبنية كثيرة بها جمع كثير من الخلق، سواء كانت أبنيته مُتَّصِلا بعضها ببعض كمَكَّة -شرَّفها الله تعالى- أو منقسما قرى كثيرة منفصلا بنيان كُلِّ واحدة مِنهُنَّ عن التي تليها كالمدينة المشرَّفة وكعُمان(3) ، وما سيأتي من الأحاديث يشهد لذلك.
والذي ينبغي اعتباره في ضبط المصر هو أن يكون المكان منحازا بما فيه من قرى ومدن وغير ذلك، لا يحتاج أهله في قضاء حوائجهم غالبا أن يتعدَّوه إلى غيره من الأماكن؛ فإذا حصل مكان هذه صفته فهو مصر سواء كان مُتَّصِل العمارة أو منفصلها، لَكِنَّ المصر المجتمع عليه عند أصحابنا إِنَّمَا هو أن يكون أحد الأمصار التي مصَّرها عمر، وما عدا ذلك فهو عندهم مختلف في إعطائه حكم المصر من إقامته الجمعات. والله أعلم.
[الأَدِلَّة على اشتراط المصر الجامع]:
(1) - … انظر؛ العيني: عمدة القاري، 06/187.
(2) - … ابن عابدين: حاشية رد المحتار على الدرِّ المختار، 01/748.
(3) - … قياس عُمَان على المدينة المنورة فيه نظر، لأن عُمان قطر بأكمله، والمدينة المنورة مدينة واحدة وإن تعددت قراها، والله أعلم.