الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

أحسب أنَّ هذه النماذج البسيطة التي عرضناها في هذا الفصل عن تخبُّط الدكتور كافية للدلالة على قيمة الكتاب في عرضه لفلسفة الإباضيَّة.

///ص143///

هويدي في تبعيَّة المستشرقين

للمستشرقين عندما يكتبون عن الإسلام ــ سواء كانت كتابتهم عنه كدين، أو عن الأمة الإسلاميَّة جمعاء كأمة، أو عن مذهب من مذاهبها كمذهب أو فرقة ــ أساليبهم ودوافعهم ومراميهم الظاهرة والخفيَّة ومهما كان المستشرقون مخلصين للبحث العلمي في هذه المواضيع فإنَّهم ــ في الحقيقة ــ أشد إخلاصا للدوافع والمرامي الحقيقيَّة التي حملتهم على الكتابة عن الإسلام أو عن المسلمين، أو عنهما معًا.

والواقع أنَّهم نجحوا إلى مدى بعيد في تحقيق أهدافهم البعيدة التي يرمون إليها بكتابتهم، ومحاضراتهم، وندواتهم، وأسمارهم، ولعل من أبسط أهدافهم أن يتركوا لهم ظلالاً في بلاد الإسلام خاصة، وفي الشرق عامَّة. وقد استطاعوا ــ فعلاً ــ أن يكوّنوا في البلاد الإسلاميَّة ومن أهلها مستغربين من حملة الأقلام وأصحاب الفكر، ينظرون إلى الشرق من نفس الزاوية التي ينظر منها المستشرقون مع فارق بسيط هو أنَّ المستشرقين الغربيين إنما يخدمون ــ بما يقدمونه عن الشرق ــ مصلحة الغرب أي مصلحة بلادهم. أمَّا المستغربون الشرقيون فهم إنما يخدمون أيضًا ــ بما يقدمونه عن الشرق والغرب ــ مصلحة الغرب أيضًا. أي مصلحة الموجهين لهم، المؤثرين عليهم، أي أنَّ المستشرقين الغربيين استطاعوا أن يتركوا لهم في الشرق ظلالاً تتحرَّك لتحرُّكهم، ومفكرين وفلاسفة يفكرون بأسلوبهم ويتكلَّمون بمنطقهم، ويقدسون حجَّتهم ولو كانت تافهة مضحكة، ويعتزُّون بآرائهم ولو كانت نسيجًا من الأباطيل أو الأضاليل، ويلهثون وراء ما يشيرون إليه ولو كانت الإشارة من طرف البنان ومن مكان بعيد.

١٢٩ / ٥١١