الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٦٣وفي المسلمين ــ بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وآرائهم، ولا سيما في عهد الدولة الأموية حينما كان انتقال الحكم من الخلافة رَّشيدة إلى ملك عضوض، قد سبب فجوة عميقة، أو هوة خشي المسلمون أن يرتدوا فيها ثو يعسر عليهم الخروج منها ــ أمثلة حيَّة واضحة لكثير من التَّابعين وتابعي التَّابعين، بل ومن بقيَّة الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا من الثَّائرين على الفساد الذي بدأ بانحراف الحكم عن الخلافة الرَّشيدة إلى ملك عضوض يتقاتل عليه أصحاب الدُّنيا، وقد استشهد في هذا السَّبيل عدد من أفذاذ الرجال، ومع ذلك لم يسموا أنفسهم خوارج، ولم يعتزُّوا بذلك الاسم، ولم يشرفهم أحد في اتباعهم والمعجبين بهم بهذا الاسم، أو يطلق عليهم هذا اللَّقب.
ويكفي أن أذكر أمثلة لأولئك الثائرين على الانحراف والفساد شهيد كربلاء الإمام الحسين سبط رسول اللهy وعبد الله بن الزبير نجل ذات النِّطاقين، وسعيد بن جبير وزيد بن علي بن حسين. وكل واحد من هؤلاء يمثل ثورة عارمة من الأمة المسلمة على الحكم الظالم، والخروج عليه، ومدافعته حتَّى الاستشهاد.
وإذا شاء القارئ الكريم أن يضيف إلى هذه القائمة أسماء الثوار الشهداء الذين سالت دماءهم على سيوف الحكم المستمد، والذين نجحوا في ثوراتهم أو فشلوا فإنَّه يستطيع أن يملأ المجلدات الضخمة بما يجري من ذلك عبر التاريخ، ويأخذ الإبَاضِية أو بعض الإبَاضِية حيزهم الضيق أو الواسع في تلك المجلدات، ولا يمكن أن يخلوا منهم مجلَّد.
ومن البديهي أنَّ أولئك الثوار ابتداء من سيد الشهداء الإمام حسين ومن سار على نهجه في مختلف العصور، لم يحملهم التطرف، والسخط على فساد الحكم، إلى مخالفة أحكام الإسلام فيستحلون من الناس ما حرَّمه الإسلام وعصمته كلمة التوحيد من دماء وأموال وأعراض.