الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٦٤هذه النقطة بالذات ــ وهي التطرف في السخط حتَّى تستحل به الدماء البريئة، والأموال المعصومة، والأعراض المصونة بحكم الله ــ هي الفارق الوحيد بين الثوريَّة والخارجية. إذا سمحنا لأنفسنا بأنفسنا فاستعملنا كلمة الثورية ــ بمدلولها المعاصر ــ على أحداث تاريخ تلك العصور.
فإنَّ عبد الله بن الزبير ــ مثلاً ــ كان قد ثار على الحكم الأموي المنحرف وكان الحكم قائمًا عندما ثار ابن الزبير فخرج عن الطاعة كما تعبر ألسنة الأنظمة الحاكمة في كلّ عصر وكل عهد ولكنه مع خلروجه على حكم الدولة القائمة لم يعتبر خارجيًّا، ولم يسمِّي نفسه بهذا الاسم، ولم يسمّه أتباعه بذلك ولم يتجرَّأ أحد من خصومه أن يصفه بذلك في ذلك الحين، فلماذا لم يكن ذلك ياترى؟ ذلك أن إطلاق لفظة الخوارج إنما كانت تعني من يخرج على نظام قائم فلا يكتفي بمحاربة النظام القائم ــسواء كان عادلا أو جائرا ــ وإنَّما يضيف إلى ذلك أن نسنحل دماء وأموال، وحرمات من يخالفه، ويحكم عليهم بأحكام المشركين، ويطبقها عليهم ما تمكن من ذلك. ولم تكن هذه الآراء ولا هذه السيرة لعبد الله بن الزبير مثلاً ولذلك فنحن قد نستطيع أن نعده في موكب الثائرين، ولكننا لا نستطيع أبدا أن نعده من الخوارج ، لأَنَّهُ ــ ببساطة ــ لم يكن يدين بدين الخوارج فلم يكن يحكم علة غيره من المسلمين بالشرك ولم يكن يستحل منهم: لا الأموال ولا سبي النساء والأطفال، ولا دماء من لم يعترض سبيله ويرفع في وجهه السلاح، وإنَّما كان يرى أنَّ المسلمين جميعًا إخوة له، فهو يقتصر في ثورته على محاربة الحكم الظالم، والجيش الباطش، ومن يسعى إلى تثبيت أركان الظلم.