الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٧١ولقد أوضحنا من قبل أيضًا أنَّ القول بأنَّ التحكيم خطأ لا يخرجج قائله من الإسلام، ولا يفصله عن الأمة المسلمة، ولا يكفي لأن نسلط عليه حكما رهيبًا يجعله مكروه من المسلمين، ثُمَّ يستمر هذا الحكم طول التاريخ، ويمتد مع امتداد الزمن، وأوضحنا أيضًا أنَّه إن إنكار التحكيم واعتباره خدعة سياسيَّة يراد بها تفريق جيش أمير المؤمنين علي، هو الخارجيَّة أو هو السبب في إطلاق لفظة الخوارج، فأحسب أنَّ أمير المؤمنين عليًّا وخيار أصحابه أمثال عمَّار والأشتر وعبد الله بن عباس يكونون رؤساء للخوارج. ذلك أنَّ كتب التاريخ التي كتبت عن موضوع التحكيم تكاد تكون مجمعة أنَّ أمير المؤمنين كان أوَّل أو من أوائل من تفطَّنوا المكيدة ولم يقبل التحكيم إِلاَّ مكرها. وأنَّه أنكره بشدَّة، وأبان لجيشه ــ الذي عمل في الطابور الخامس عمله ــ عواقب تلك المكيدة. وأنَّه لم يقبل التحكيم إِلاَّ مضطرًّا، عندما وجد جيشه معرَّضًا للتفرقة والتمزُّق، وربما للتناحر. وكان على رأي الإمام علي وعلى رأي أصحابه في اعتبار التحكيم مكيدة لا ينبغي قبولُها أكثر أئمة المسلمين منهم الإمامان العظيمان الحسن البصري ومالك بن أنس حسب ما أورده المبرد في كامله وابن أبي حديد في شرح نهج البلاغة بل أستطيع أن أزعم أننا اليوم وفي هذا العصر ــ وقد مضى على تلك الأحداث ثلاثة عشر قرنًا ونصف ــ عندما نقرأ أخبارها نشعر بالاسف والحسرة لأن تلك الخدعة الجريئة قد انطلت على أكثرية جيش علي، حتَّى اضطر للاستباحة لها رغم معرفته القصد منها، وتقديره لنتائجها، وعلمه علم اليقين أن القصد من تلك العمية لم يكن مراعاة للمصلحة العامة، ولا نظر لخير الأمة ولا تحكما للكتاب غي شيء جهل فيه حكم الكتاب(1) .
(1) - راجع كتابه الاسلام بلا مذاهب، وكتاب الدين والعلم الحديث للأستاذ إبراهبم محمَّد الباقي ص 266 طبع المكتبة التجارية الكبرى.