الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ١٧٧وفيهم من يملك من الدهاء ما يستطيع معه أن يدس إلى قارئيه ما يريد من الأفكار دون أن يثير منهم حاسة الانتباه، وغريزة رد الفعل، وهم في أغلب الأحوال ينطلقون من نقط متشابهة، ويتتبعون وسائل متقاربة، ومن ذلك مثلاً: يعمدون إلى وسيلة ظاهرها علمي بحت، وباطنها وسيلة من وسائل التخذير وكسب الاشتياق، تؤثر على القارئ البسيط من النظرة الأولى فتملأ نفسه بالاعجاب أولاً، والتصديق ثانيًا، والثقة ثالثًا وعندما يصل القارئ معهم إلى هذه المرحلة فإنَّهم يكونون قد كسبوهم نهائيًّا.
ومن الأساليب البسيطة في هذا المجال إنهم عندما يريدون أن يتناولوا موضوعًا بالبحث يقومون بإعداد طويلة من المراجع والمصادر باللغات المختلفة ــ ولا سيما اللغة العربيَّة ــ يثبتونها في صدر كلّخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. بحث أو عند نهايته. مع أنَّهم عند مناقشة الموضوع ــ قد لا يحتاجون إلى الكثير من تلك المراجع ولا يعودون إليها. ولكن ذكر أسمائهم بتلك الوفرة يوحي باستفراغ الجهد، ودقة دقة التحقيق والتمحيص، ثُمَّ بالثقة. ثُمَّ هم يتصيَّدون منها شواذ الأخبار والأحداث فيركزون عليها، ويؤيدون بها مقاصد الخفية.
ولست بهذه الملاحظة البسيطة أغمز سعة أطلاعهم فأنا على يقين كامل بأنَّهم قد توفر لهم من الدراسة ــ بسبب مجهوداتهم الشخصيَّة، ومساعدات حكوماتهم ومؤسساتهم الماديَّة والمعنويَّة ــ ما يتيح لهم من سعة الاطلاع، وغزارة المادة، ووفرة الجهد في الدراسة والبحث أو مواصلة العمل والاستمرار فيه، ما لا يتاح لغيرهم أبدًا. فهم بذلك من أكثر الناس اطلاعًا على المواضيع التي يهتمون بها ويبحثونها، ولكنهم مع ذلك يقصدون بذكر المصادر ــ مع الحصول على إعجاب القارئ وثقته ــ إلى تحذيره بتلك الوسيلة التي توحي إليه مسبقًا بعظمة المجهود المبذول من أجل الوصول إلى الحقيقة فيكون طيعا بين أيديهم.