الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

وقد زحف أباضيوا طرابلس من زناتة وهوارة لمحاربة بني ورفجومة، وانتزاع بقايا القيروان منهم، على أن تدخل هؤلاء لم يكن بدافع إنساني محض، إذ ليس من المستعبد أن يكونوا قد شعروا بالحسد من إخوانهم في المذهب، وأرادوا أن يظفروا لأنفسهم ببعض الفائدة». هذا منطق المستشرق جوتييه في مناقشة الأحداث وتحليل بواعثها وتعليل الدوافع إليها. يفترض أوَّلاً أنَّ الإبَاضِية والصفرية أخوان في المذهب، يفترض ثانيا أن عداوة عميقة الجذور ــ كالتي بين البلاشفة والمناشفة ــ تقوم بينهم ويذكر أنَّ الصفريَّة قاموا باحتلال القيروان وارتكبوا فيه كثيرا من الفضائح ثُمَّ يذكر أنَّ الإبَاضِية سارعوا إلى طرد الصفريَّة من القيروان. ويفترض ثالثا أن عمل الإبَاضِية هذا لا ينبعث من دافع إنساني، ويفترض رابعا أنَّ هذا الدافع الذي دفع الإبَاضِية إلى استخلاص القيروان من أيديورفجومة إنما هو الحسد لإخوانهم في المذهب ثُمَّ الظفر لأنفسهم ببعض المكاسب. قصور في الافتراضات يرفع بعضها على بعض دون أساس أو على أساس من الوهم، وتصور وتصوير لعلاقات بشريَّة، ونوازع نفسيَّة لا تنبني على علم ولا تستند على خبر وإصدار أحكام على حركات قامت قبل قرون تناقض كلّ المناقضة ما تذكرها عنها كتب التاريخ والسير العربية، فما هي الأسباب التي يستند إليها المستشرق جوتييه في افتراض الفروض وإصدار الأحكام على الوقائع وعلى دخائل النفوس، إنَّه لا شيء مطلقا غير دعوى عريضة وقياسات على ما عند الغربيين، إنَّه يقول إنَّ الإبَاضِية طردوا الصفريَّة من القيروان حسدًا وطمعًا في بعض الفائدة. والحسد دافع خفي فطن له هذا المستشرق الذكي بعض مضي هذه القرون الطويلة.

٢١٠ / ٥١١