الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢١١إنَّه لو اقتصر على دعواه أنَّهم يطلبون لأنفسهم بعض المكاسب ــ رغم أن كتب التاريخ تكاد تجمع أنَّ الإبَاضِية في استيلائهم على القيروان لم يأخذوا منها شيئًا البتة ما عدا خرجا سرقه أحد المقاتلين فلمَّا انكشف عوقب عليه وعزر أمام أعين الجند جميعًا لكان لدعواه خطأ في النظر. لأنَّ نظرة المستشرق جوتييه إلى حركات الشعوب لا تتنبعث إِلاَّ من الفهم الاستعماري، والفهم الاستعماري لا يتحرك إِلاَّ بعد تقدير الفوائد والمكاسب والمغانم، أمَّا ما عبَّر عنه هو بالدوافع الإنسانية فقد قتلت في الحس الغربي في معاملته، والدوافع الإنسانية في الحس الغربي إنما قتلها حملة الأقلام والألسنة، قبل أن يقتلها حملة السلاح وطلاب المطامع، وما من حملة عسكرية وجهها الإستعمار الغربي إلى الشرق في التاريخ القديم أو الحدث حتَّى تلك التي سبقت الديانات إِلاَّ وقد مهَّدت لها ألسنة وأقلام سابقة، وبرزتها ألسنة وأقلام مرافقة، وأثنت عليها ومجَّدتها ألسنة وأقلام لاحقة. وإنك لتقرأ اليوم للمستشرق جوتييه وأضرابه فتجدهم يبررون بل يمجون جميع الحملات الاستعمارية لتي قام بها الإغريق ولارومان بل ويتحدَّثون عنها بشيء من الفخر والاعتزاز، ولا يبدوا أنَّهم يحسون بأنَّ تلك الحملات الاستعمارية في تاريخ سحيق كان الباعث عليها والدوافع إليها إنما هو الحصول على الفوائد، ولم يزعموا أنَّ سببها كان الغيرة والحسد، ذلك أنَّ للمستشرقين منطقين: منطقا يعالجون به قضايا الغرب ومنطقا يعالجون به قضايا الشرق، ولم يدخل في اعتبارهم أبدًا أنَّ الغرب والشر يستويان في أي مظهر من مظاهر الحياة، وإن كانوا يسبغون على جميع مواقفهم دعوى فضفاضة بأنَّهم متجردون للعمل تحت اسم البحث العلمي.
ويقول في ص224 مايلي: