الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣وأكثر هذه الأصول قد تحتمل وجهين أو أكثر من الآراء، وأي عالم يصدر فيها رأيًا معيَّنا قد يكون رأيه موافقا تمام الموافقة لرأي عالم آخر في جهة أخرى، ولكنه يسمع برأيه ولم يعرفه وإنَّما اعتمدا في أصدار رأيه على نفس المصدر التي استمدّ منها الآخر رأيه، واتحد معه في الفهم والاستنباط، فهل من المحتم أن نقول أنَّ أحد هذين العالمين قد أخذ عن الآخر مادام رأي كلّ منهما موافقا لرأي الآخر وفهمه لفهمه من المسائل التي أثيرت في عهد مبكر جدًّا قضية القدر، وقضيَّة جواز رؤية البارئ جلَّ وعلا، وقضيَّة الكبيرة ومرتكبها، فكان لعلماء الأمة فيها مواقف حسب فهمهم لنصوص الشريعة حين وصول المشكلة إليهم، فكانت المشكلة من هذه تأخذ طورًا في الجدال والنقاش في أماكن مختلفة حتَّى تتبلور إلى آراء محددة يقتنع بها الناس ويلتزمونها. فالمشكلة من هذه تبدأ فرديَّة يتناولها أصحاب الشأن بالبحث والدراسة والاستدلال، وقد تتفق الآراء، وقد تختلف، ويدين بِكُلِّ رأي جماعة من الناس لاقتناعهم بقوة الحجة وسطوع البرهان ووضوح الدليل فيما يعتقدون.
ثُمَّ إنَّ المذهبيَّة أو (الحزبيَّة الدينيَّة) كما يفهمها المستشرقون) لم تكن بهذا التمييز والوضوح الذي تعرفه لها اليوم، لأنَّ المذهبيَّة في ذلك الوقت المبكر لم تتكون بعد، ويبدو لي أنَّك لو جئت في أواخر القرن الأوَّل وأوائل القرن الثاني ووقفت عند باب مسجد نتسأل كلّ خارج بعد الصلاة عن مذهبه لم تجد من يجيبك بقوله إنَّه سني أو شيعي أو معتزلي مثلاً، ولا من يقول لك إنَّه حنفي أو مالكي أو إباضي. لأنَّ هذه المذهبيَّة لم تتكوَّن بعد. ولكنَّك لو سألته ما تقول في القدر أو نفيه. وقد ينظر إليك في اشمئزاز وينصرف، وهو يعتبرك من دعاة الفتنة، وقد يحلق فيك بعينين فاحصتين ثُمَّ يمضي عنك لأَنَّهُ لم يفهم ما تريد.